فهرس الكتاب

الصفحة 1626 من 1908

فيختلف الحال بين رجل والآخر؛ يأتيك الحبيب والرجل الفاضل وقد غلط غلطة فتُغتفر، ويقول الكلمة فتُغتفر ويتسامح منها، ويقف الموقف مثلًا يغضب منك ويمشي ويتركك وتُغتفر، لكن رجل ثانٍ ليس بمنزلته فلا تغتفر له، أو لا يُسامَح فيها، وقد يعاقب عليها! فيختلف هذا كله، وهذا أيضًا من العدل؛ فينتبه أحدنا لهذا ويعرف قدر نفسه ويعرف أقدار الناس؛ هذا الأمر مهم جدًا.

سيدنا عمر في الحديث الصحيح لما كلم ابنته حفصة عندما سمع أنها تراجع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- غضب عليها، وقيل ضربها أو أمسكها وهكذا، قال: أتراجعين رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟!

فقالت له: «كل أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- يراجعنه» ! ومعنى «يراجعنه» يجادلنه ويناقشنه ويقلن: لا ليس هكذا ونحن نريد كذا، يناقِشْنَ فيه.

فجاء لبيت النبي -صلى الله عليه وسلم- وتكلم مع بعض أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- -والقصة التي حصلت مشهورة- وقيل له: أنت تدخل يا عمر في كل شيء حتى دخلت بين النبي -صلى الله عليه وسلم- وأزواجه!

القصة في الصحيح، الشاهد فيها -هذا الذي أردت أقوله- سيدنا عمر لما جاء ينصح ابنته حفصة قال لها: «لا يغرنك تلك التي أعجبها حسنها ووضاءتها» يقصد عائشة؛ يعني: لا تجعلي نفسَكِ مثلها، تلك جميلة وحسناء ووضيئة، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يحبها كثيرًا؛ فأنتِ لستِ في مرتبتها، هذه تراجع ممكن أن يكون هذا مقبولًا منها لكن أنتِ لستِ مثلها! فانتبه لهذه الحكمة؛ وهذا الحديث في الصحيحين (1) .

يحصل عند بعض الناس أحيانًا تنطع في مفهوم العدل الخطأ، وهذا راجع لموضوع التسوية والمساواة والعدل، رأيت هذا الأمر عند بعض الإخوة في الجزائر، أذكر بعض المواقف منها:

البطيخ «الحبحب» أحدهم يأخذ الموس ليقسمها؛ فرأيتهم مرة -وأنا كنت جالسًا واستغربت، وكنت قريب عهد في وجودي معهم- فكل واحد يقول: لا أنا ما أقسمها، اقسمها أنت، يتدافعونها، لا أحد يريد أن يقسمها! قلت: ما المشكلة؟ قال: أخاف ما أعدل! هو ممكن يكون جيد في ظاهره، لكن أنا عندي أن هذا ليس بجيد؛ لأنه بعد مدة كان في هؤلاء الناس تنطع شديد، وبعضهم صار من الخوارج ومن التكفيرين -والعياذ بالله-.

لكن هذا شيءٌ من الغلو والتنطع في الدين؛ لأن الله - سبحانه وتعالى - أمرنا بالعدل ولكن لم يجعل علينا في الدين من حرج؛ فكونك تأتي لتقسمها فتكون قطعة أكبر قليلًا من قطعة ثانية فهذا لا يضر، أنت تجتهد أن تقسم البطيخة للناس فتعطيهم بالتساوي، لكن ليس معناها أنك تأتي بكمبيوتر وميزان إلكتروني

(1) صحيح البخاري (2468، 4913، 5218) ، صحيح مسلم (1479) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت