عاديته ونرد عليه بالحجج المنطقية والعقلية وغيرها؛ هذه كلها دعوة إلى الله - سبحانه وتعالى - لسانية نحن نمارسها مع الجهاد.
وكذلك القتال هو نفسه دعوة إلى الله، ثم معه الدعوة اللسانية والكتابية، ثم معه أنواع أخرى من الدعوة مثل الإنفاق في سبيل الله والأعمال الخيرية والاجتماعية ونصرة الناس وخدمتهم لتأليفهم على الإسلام؛ هذه كلها من وسائل الدعوة التي نمارسها في عملنا الجهادي، والمهم أن نكون دائمًا مستشعرين أننا دعاة إلى الله.
ربعي بن عامر - رضي الله عنه - لما دخل على رستم قال له: ما أنتم؟ ولم يقل من أنتم! لم يسأل عن تعيين أسمائهم، يسأل عن ماهيتهم: ما هي حقيقتكم، ما هو كُنهكم؟!
قال: «نحن قوم الله ابتعثنا .. » ، وهنا يظهر استشعار الصحابة أنهم مبعوثون من قِبَل الله - سبحانه وتعالى -، ونحن أيضًا الله ابتعثنا وهذا الابتعاث هو بعث (يبعث الله لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها أمر دينها) (1) ؛ فالله - عز وجل - ينشئ خلقًا ويغرس غرسًا من الناس يصلحون للناس دينهم ويأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر ويجددون لهم دينهم، وقد كان الصحابة يستشعرون أن الله باعثهم، هذا معنًى من معاني البعث.
قال: «الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد -أولًا التوحيد-، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام» (2) .
فقد كانوا مستحضرين أنهم دعاة إلى الله؛ ولهذا كان حرصهم وتشوفهم وميلهم الكبير دائمًا أنهم يُدخلوا الناس في دين الله ولهذا قالوا في تفسير قوله - سبحانه وتعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110] قال أبو هريرة: «خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ تَاتُونَ بِهِمْ فِي السَّلاَسِلِ فِي أَعْنَاقِهِمْ، حَتَّى يَدْخُلُوا فِي الإِسْلاَمِ» والحديث في صحيح البخاري (3) .
وهكذا كان الصحابة وقيادات الإسلام وأئمتهم ومن سار على نهجهم؛ كان عندهم دائمًا استحضار أنهم دعاة إلى الله، مقصودهم الأول هو هداية الخلق؛ ولهذا فمن غايات الجهاد ومقاصده
(1) سنن أبي داود (4291) وصححه الألباني.
(2) تاريخ ابن كثير (9/ 621، 622) وقال: «رواها سيف عن شيوخه» وسيف هو ابن عمر التميمي صاحب كتاب «الردة والفتوح» وهو متروك الحديث؛ اتهمه جماعة بالوضع، لكن قد يُستأنس بمثل هذا الحديث خاصةً مع وجود شواهد على حوادث مثله، مع الأخذ بالاعتبار أن العلماء يتسامحون في نقل الروايات التاريخية والاستفادة منها، وهو الراجح؛ في تفصيل ليس هذا محله.
(3) صحيح البخاري (4557) .