أمر الله الأنبياء أن يقولوا: أنا أول المسلمين، أول المؤمنين؛ فأنت أصلًا يجب عليك أن تكون مسلمًا، ولهذا فالمجاهد -كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (المجاهد من جاهد نفسه في ذات الله، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) (1) .
هذه هي حقيقة الجهاد، وإلا فإنه لا يكون مجاهدًا عند الله؛ لأنه يجاهد وهو فاجر فاسق يبحث عن الغلبة والظهور، وليمدحه الناس؛ لينال كذا ويطلب ذكرًا أو شهرة فهذا لا يكون مجاهدًا عند الله وإن كان عندنا في الظاهر مجاهدًا، ونجري عليه أحكام المجاهد، وهذا لا ينال فضل الجهاد؛ بل قد يُعذب بهذا الجهاد كما جاء في حديث: (أول من تسعر بهم النار) (2) نسأل الله العفو والعافية.
الجهاد حتى يكون ممدوحًا، مرادًا، محبوبًا لله - سبحانه وتعالى -؛ مرضيًا عند الله إذا قيد بكونه في سبيل الله.
وهذه «إلى الله» أيها الداعية، وليست إلى نفسك.
وماذا يعني في سبيل الله؟ معنى السبيل: الطريقة؛ أي في طريق الله، لكن الشريعة اختارت «في سبيل» لحكمة بلاغية؛ لأنه في علم البيان إذا أراد الفصيح أو البليغ ترسيخ شيء معين عند الناس يأتي فيه بلفظ غير المعتاد؛ فهو لو قال: في طريق الله لكان معروف المعنى؛ لكنه اختار «في سبيل الله» لأن الطريق كلمة مبتذلة تذكر دائمًا -هذه طريق، مررت من الطريق، جاء من الطريق-، ولكن الشريعة أخذت كلمة السبيل؛ حتى تكون كلمة لها معنى واحترام مميز وشادة للانتباه؛ لكن مع غلبة الاستعمال لم يفهم الناس، فإذا قلنا له: ما معنى في سبيل الله؟ قال: وجه الله.
فهو جاء بالمعنى الإجمالي فقط؛ أعطيك شيئًا بلا مقابل لوجه الله - عز وجل -؛ فصار هذا هو المعنى الاصطلاحي الذي أرادته الشريعة وهو الصحيح، لكن عندما ندقق نجد أن معنى {في سبيل الله} أي: في طريق الله.
(1) لم نقف على هذا الحديث هكذا بتمامه في كتب السنة المسنَدة؛ بل ورد مفرقا في مواضعه، وبيان ذلك كالتالي: أما لفظ (المجاهد من جاهد .. ) فقد ورد في: سنن الترمذي (1612) وصححه الألباني، ولفظ: (المهاجر من هجر .. ) فقد ورد في: صحيح البخاري (6806، 6484) ، ولفظ: (المسلم من سلم .. ) فقد ورد في: صحيح البخاري (11، 6806) ، صحيح مسلم (40) .
(2) صحيح مسلم (1901) بنحوه.