ودود كريم وهاب وأنه رزاق وأنه أيضًا القادر على كل شيء وهو الغالب على أمره وهو العزيز الذي لا يمتنع منه شيء، وهو القاهر فوق عباده، وهو الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، يعلم السر وأخفى، وهكذا نعرف صفات الله - سبحانه وتعالى -، وأنه الحي القيوم القائم على كل نفس بما كسبت، والذي لا تأخذه سنة ولا نوم، ولا يغفل ولا ينسى، والذي لا يعجزه شيء.
صفات الله - سبحانه وتعالى - وأسماؤه الحسنى عندما نعرفها ونحصيها ونعرف معانيها ونقف عندها ونتدبرها تحصل عندنا الثقة بالله - سبحانه وتعالى -؛ الثقة بقدرته وقوته وبرحمته ولطفه وإحسانه، والثقة بأنه لا يعجزه شيء وأنه أرحم بنا من أنفسنا -كما ذكرنا-؛ فتوكله في أمورك تتوكل عليه، {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (9) } [المزمل] اتخذه وكيلًا لك، وكِّل إليه أمرك وشأنك وفوِّض إليه أمورك، وقل: حسبي الله ونعم الوكيل، نِعْمَ الله وكيلًا لنا؛ فهذا نبَّه على الاستعانة والتوكل الذي هو التوحيد بعد الأمر بالأخذ بالأسباب؛ ولهذا توصف شريعتنا وديننا بأنها «الحنيفية السمحة» أو «السمحاء» .
الحنيفية؛ قال العلماء: «حنيفية في التوحيد» يعني كاملة في التوحيد؛ فهي أكمل الأديان في التوحيد، صحيح أن الانبياء كلهم جاؤوا بالتوحيد بدين واحد وهو عبادة الله وحده لا شريك له ولكن ديننا حتى في التوحيد هو أكمل من الأديان السابقة، هناك أشياء كانت في الأديان السابقة مباحة حُرمت في ديننا زيادة في تحقيق التوحيد، كقولهم مثلًا: «ما شاء الله وشئت» ، وأشياء من هذا القبيل كالسجود لغير الله - سبحانه وتعالى - وغيره؛ حماية لجناب التوحيد -كما قال العلماء- وسد منافذ الشرك وذرائع الشرك وغيرها؛ لأن هذا الدين إذن وهذه الشريعة هي أكمل حتى في التوحيد؛ في تحقيق التوحيد.
وفي الشريعة شريعة «سمحة» أو «سمحاء» بمعنى أن فيها اليسر، والبعد عن التكلف، والبعد عن الصعوبة والتعسير، وفيها الواقعية، وفيها البعد عن التكلف الذي هو السماحة.
السماحة ضد التكلف في الأصل يعني ما فيها تكلف {وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (86) } [ص] ، «نُهينا عن التكلف» قاله سيدنا عمر - رضي الله عنه - (1) .
فإذن نبَّه على الأمرين: الشريعة والتوحيد، الشريعة الأخذ بالأسباب والعمل بالقوانين هذا الشيء مفضي إلى هذا الشيء، لكي تنجح في الشيء الفلاني لازم تعمل كذا وكذا، هذه الطريقة ميكانيكة لا بد أن تفعلها، يستوي في هذا المؤمن والكافر، حتى الكافر يعرف أن كثيرًا من هذه الأسباب مفضية إلى
(1) صحيح البخاري (7293) .