يجوز من اللَّو» (1) ، وعقد الشيخ «محمد بن عبد الوهاب» في كتاب «التوحيد» أيضًا: «باب ما جاء في اللَّو» (2) أدخَلوا عليها الألف واللام؛ لأنهم جعلوا هذا الحرف بمعناه يفيد التمني أو يفيد ما يقاربه، وهي حرف «امتناع لامتناع» كما يقولون في النحو؛ امتنع جوابها لامتناع شرطها .. فإذا كانت بمعنى الاعتراض على القدر والتسخط عليه فهي ممنوعة: (لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا) أرشد إلى هذا بقوله: (فإن لو تفتح عمل الشيطان) واستدلوا بهذا التذييل الأخير على أنها نهي كراهة؛ لأنه قال: (تفتح عمل الشيطان) أنها تؤدي بك أيها الإنسان المؤمن إلى الوسوسة، فهي تفتح للشيطان بابًا كبيرًا عليك يدخل منه إليك وإلى قلبك فيوسوس إليك فيجعلك يعني تشك في قضاء الله - سبحانه وتعالى - وقدره وتتسخط عليه، وتتسخط على قسمة الله - عز وجل - وتتهم ربك، ويفسد حسن ظنك بالله - عز وجل -.!
والعاجز هو الذي يقول: لو، دائمًا يقول: لو أني ولو أني، ويُتبع نفسه هواها، لكن القوي الكَيِّس الفَطِن الحريص على ما ينفعه هو الذي يفعل الأشياء فإذا أصابه شيء لم يكن في حسابه بعد أن يأخذ هو بالأسباب ويستعين بالله - سبحانه وتعالى - ويتوكل عليه، عندما يصيبه شيء هنا يقول: قدَّر الله وما شاء فعل، ويقول: حسبي الله ونعم الوكيل، هذه الكلمة هذا موضعها، هنا التفويض، خلاص ما عاد في من
(1) قال البخاري - رحمه الله: «بَابُ مَا يَجُوزُ مِنَ اللَّوْ، وقوله تعالى: {لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً} [هود: 80] » ثم ذكر في الباب ثمانية أحاديث استعملت فيها كلمة (لو) ، وقال ابن حجر في «الفتح: 13/ 228» : «قَالَ عِيَاضٌ: الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ تَرْجَمَةِ الْبُخَارِيِّ وَمِمَّا ذَكَرَهُ فِي الْبَابِ مِنَ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ لَوْ وَلَوْلَا فِيمَا يَكُونُ لِلِاسْتِقْبَالِ مِمَّا فَعَلَهُ لِوُجُودِ غَيْرِهِ، وَهُوَ مِنْ بَابِ لَوْ لِكَوْنِهِ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْبَابِ إِلَّا مَا هُوَ لِلِاسْتِقْبَالِ، وَمَا هُوَ حَقٌّ صَحِيحٌ مُتَيَقَّنٌ؛ بِخِلَافِ الْمَاضِي وَالْمُنْقَضِي أَوْ مَا فِيهِ اعْتِرَاضٌ عَلَى الْغَيْبِ وَالْقَدَرِ السَّابِقِ، قَالَ: وَالنَّهْيُ إِنَّمَا هُوَ حَيْثُ قَالَهُ مُعْتَقِدًا ذَلِكَ حَتْمًا وَأَنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يُصِبْهُ مَا أَصَابَهُ قَطْعًا؛ فَأَمَّا مَنْ رَدَّ ذَلِكَ إِلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّهُ لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ أَرَادَ ذَلِكَ مَا وَقَعَ فَلَيْسَ مِنْ هَذَا. قَالَ: وَالَّذِي عِنْدِي فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ النَّهْيَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَعُمُومِهِ لَكِنَّهُ نَهْيُ تَنْزِيهٍ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ) أَيْ يُلْقِي فِي الْقَلْبِ مُعَارَضَةَ الْقَدَرِ فَيُوَسْوِسُ بِهِ الشَّيْطَانُ. وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ: جَاءَ مِنَ اسْتِعْمَالِ لَوْ فِي الْمَاضِي مِثْلَ قَوْلِهِ لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أهديت فَالظَّاهِر أنَّ النَّهْي عَن إِطْلَاقُ ذَلِكَ فِيمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَهُ تَأَسُّفًا عَلَى مَا فَاتَ مِنْ طَاعَة الله أَو مَا هُوَ مُتَعَذر عَلَيْهِ مِنْهُ وَنَحْوُ هَذَا فَلَا بَاسَ، بِهِ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ أَكْثَرُ الِاسْتِعْمَالِ الْمَوْجُودِ فِي الْأَحَادِيثِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ: الْمُرَادُ مِنَ الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَنَّ الَّذِي يَتَعَيَّنُ بَعْدَ وُقُوعِ الْمَقْدُورِ التَّسْلِيمُ لِأَمْرِ اللَّهِ وَالرِّضَى بِمَا قَدَّرَ، وَالْإِعْرَاضُ عَنْ الِالْتِفَاتِ لِمَا فَاتَ؛ فَإِنَّهُ إِذا فكر فِيمَا فَاتَهُ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ: (لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا لَكَانَ كَذَا) جَاءَتْهُ وَسَاوِسُ الشَّيْطَانِ فَلَا تَزَالُ بِهِ حَتَّى يُفْضِيَ إِلَى الْخُسْرَانِ؛ فَيُعَارِضَ بِتَوَهُّمِ التَّدْبِيرِ سَابِقَ الْمَقَادِيرِ، وَهَذَا هُوَ عَمَلُ الشَّيْطَانِ الْمَنْهِيُّ عَنْ تَعَاطِي أَسْبَابِهِ؛ بِقَوْلِهِ: (فَلَا تَقُلْ لَوْ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ) وَلَيْسَ الْمُرَادُ تَرْكَ النُّطْقِ بِلَوْ مُطْلَقًا إِذْ قَدْ نَطَقَ النَّبِيُّ (بِهَا فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ، وَلَكِنَّ مَحَلَّ النَّهْيِ عَنْ إِطْلَاقِهَا إِنَّمَا هُوَ فِيمَا إِذَا أُطْلِقَتْ مُعَارِضَةً لِلْقَدَرِ مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّ ذَلِكَ الْمَانِعَ لَوِ ارْتَفَعَ لَوَقَعَ خِلَافُ الْمَقْدُورِ، لَا مَا إِذَا أَخْبَرَ بِالْمَانِعِ عَلَى جِهَةِ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ فَائِدَةٌ فِي الْمُسْتَقْبَلِ؛ فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يُخْتَلَفُ فِي جَوَازِ إِطْلَاقِهِ، وَلَيْسَ فِيهِ فَتْحٌ لِعَمَلِ الشَّيْطَانِ وَلَا مَا يُفْضِي إِلَى تَحْرِيمٍ» .
(2) انظر: فتح المجيد شرح كتاب التوحيد (ص 460) .