فهرس الكتاب

الصفحة 1719 من 1908

الصحابة يلحون عليه وكانت التساؤلات، وما زال الفقهاء يتساءلون إلى اليوم وإلى يوم القيامة سيظلون يتساءلون: لماذا جلس علي - رضي الله عنه - ستة شهور ولم يبايع؟

فقيل: أنه كان مشتغلًا بتمريض فاطمة - رضي الله عنها -.

وقيل: أنه لغضب فاطمة من أبي بكر في قصة فَدَك، وميراث النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فكان عليٌّ متضامنًا معها؛ فمن باب الأدب لم يبايع .. وقيل وقيل غير ذلك.

وأشد الأقوال: أنه كان ينازِع في الخلافة؛ حتى هذا القول قيل في هذه المسألة! وهنا يكمن الخطر.

ولهذا قلنا أنه لا يعد مشاقًا (1) ، لكن خلافة أبي بكر كانت ماشية، بايع علي أو لم يبايع؛ فلما توفيت فاطمة بايعه في اليوم الثاني مباشرة، وهذا الذي جعل كثيرًا من الفقهاء يقولون هو بسبب فاطمة وقصتها والاشتغال بها وهي نفسها غاضبة من أبي بكر - رضي الله عنها -، وهي من أهل الجنة وأبو بكر من أهل الجنة، ولكن انظروا كيف أن الناس الصالحين تخالفوا، والسبب بسيط جدًا، فقد جاءت - رضي الله عنها - إلى أبي بكر فقالت له: أعطني ميراث أبي عنده أرض في فدك؛ فقال لها: إني سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (نحن معاشر الأنبياء لا نُورث، ما تركناه صدقة) قال: ما نعطيك، هذه لبيت المال كلها، أنا سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- بنفسي يقول ذلك، وهي لم تسمع هذا الكلام فتضايقت منه، مع أنها تعرف أنه صادق، فهي لم تكذبه!

(1) تكلم كثير من المؤرخين والعلماء عن أسباب عدم بيعة علي لأبي - رضي الله عنهما -، بل وجزم بعضهم أنه قد بايع سرًا في البداسة لكنه أخفى ذلك عن فاطمة حتى لا يجرحها بذلك؛ لكن هذا القول ضعيف، ولعل أوجه الأقوال ما ذكره علي في سبب تخلفه إذ قال لأبي بكر - رضي الله عنهما: «إنا قد عرفنا فضلك وما أعطاك الله، ولم ننفس عليك خيرا ساقه الله إليك، ولكنك استبددت علينا بالأمر، وكنا نرى لقرابتنا من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نصيبا .. فوجدنا في أنفسنا» متفق عليه، وقال النووي في توجيه هذه الحادثة في: شرح مسلم (12/ 77) : «تأخره ليس بقادح في البيعة ولا فيه؛ أما البيعة فقد اتفق العلماء على أنه لا يشترط لصحتها مبايعة كل الناس ولا كل أهل الحل والعقد، وإنما يشترط مبايعة من تيسر إجماعهم من العلماء والرؤساء ووجوه الناس، وأما عدم القدح فيه فلأنه لا يجب على كل واحد أن يأتي إلى الإمام فيضع يده في يده ويبايعه، وإنما يلزمه إذا عقد أهل الحل والعقد للإمام الانقياد له، وأن لا يظهر خلافا ولا يشق العصا، وهكذا كان شأن علي - رضي الله عنه - في تلك المدة التي قبل بيعته؛ فإنه لم يظهر على أبي بكر خلافا ولا شق العصا، ولكنه تأخر عن الحضور عنده للعذر المذكور في الحديث [يعني مسألة عدم قسمة علي لأرض فدك وميراث النبي -صلى الله عليه وسلم-] ، ولم يكن انعقاد البيعة وانبرامها متوقفا على حضوره فلم يجب عليه الحضور لذلك ولا لغيره؛ فلما لم يجب لم يحضر، وما نُقل عنه قدح في البيعة ولا مخالفة، ولكن بقي في نفسه عتب فتأخر حضوره إلى أن زال العتب، وكان سبب العتب أنه مع وجاهته وفضيلته في نفسه في كل شيء وقربه من النبي -صلى الله عليه وسلم- وغير ذلك رأى أنه لا يستبد بأمر إلا بمشورته وحضوره، وكان عذر أبي بكر وعمر وسائر الصحابة واضحا لأنهم رأوا المبادرة بالبيعة من أعظم مصالح المسلمين وخافوا من تأخيرها حصول خلاف ونزاع تترتب عليه مفاسد عظيمة، ولهذا أخروا دفن النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى عقدوا البيعة لكونها كانت أهم الأمور كيلا يقع نزاع في مدفنه أو كفنه أو غسله أو الصلاة عليه أو غير ذلك وليس لهم من يفصل الأمور فرأوا تقدم البيعة أهم الأشياء والله أعلم» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت