كارتفاعها وعلو كلمتها في الناس وانتشارها في الناس هذا نوع من الانتصار.
ولهذا قالوا في الغلام، الغلام صاحب الملك، صاحب الساحر والكاهن، الذي دلَّ الملك على كيفية قتله وجعل هذه الكيفية سببًا لإيمان الناس فآمَن الناس لمَّا قال له: «لن تستطيع أن تقتلني إلا أن تأخذ السهم وتقول بسم الله ربِّ الغلام» . ففعل، والملك هذا كان يقول: أنا الله! الملك كان يدَّعي الألوهية، فقال: «أنت ما تستطيع أن تقتلني» يعني إلا أن تعترف بربوبية الله وتلجأ إلى الله وتُعظِّم الله؛ فهذا فيه اعتراف بأنه عبدٌ حقير ليس ربًا. في النهاية عَمِل بما قاله له وأخذ السهم وقال: بسم الله رب الغلام. فرماهُ فقتلهُ، فقال الناس: «آمنَّا برب الغلام» ؛ فآمن الناس، فخَدَّ لهم الأخاديد وقتلهم بالنار بعد ذلك (1) .
ولكن انتشرت دعوة الإنسان وانتشرت كلمته التي هي كلمة الحق وظهرت وآمن بها الناس، وصاروا مؤمنين، الناس هكذا بالإطلاق دلالة على الكثرة الغالبة.
هو رزقه الشهادة الله - سبحانه وتعالى - وفازت وانتصرَت دعوته ومبدؤه وظهرت وانتشرت، ونحن ما نريد إلا انتصار الحق وانتصار دين الله - سبحانه وتعالى -؛ فإذن هذا نوع من الانتصار.
وقد يجمع الله - سبحانه وتعالى - للعبد بعض هذه المظاهر والصور من النصر أو كلها ففضل الله يؤتيه من يشاء، وقد يعطيه بعضها؛ قد يعطيه مثلًا أنه ثَبَت على الدين والحق ثم مات مثلًا لم يُرزق حتى الشهادة! لكنه مات على الحق، فهذا نوع من الشهادة وإن كان ليست الكاملة مثلًا ولكن لا بأس؛ قريبٌ منها، وفضل الله يؤتيه من يشاء، وهكذا .. يعني أنواع.
لكن في الغالب بالنسبة للمؤمن أنه يُحصِّل على بعضها أو كلها، طبعًا ليس شيئًا قليلًا منها، يتحصَّل المؤمن في الغالب على كثير منها؛ إن لم يَتحصَّل على الشهادة فيموت على طريق الحق فالفوز الأخروي مضمون له وإن كان ليس في أعلى درجات (الشهادة ربما) لكنه مضمونٌ له، الفوز الأخروي معنىً أعم من الشهادة، والثبات على الدين والاستمرار عليه مضمون للعبد المؤمن الذي يثبت على الدين في الغالب، نفس الثبات على الدين هو نصر، وانتصار الدعوة في الغالب أيضًا للمؤمنين حاصلة، وإن كانت أحيانًا قد تَخبو الدعوة مراحل مُعيَّنة في بعض الفترات ثم يظهرها الله - سبحانه وتعالى - على أيدي بعض خلقه من جديد مرة أخرى وهكذا، لكن في الغالب تحصل هذه يعني.
السبب الجامع لأسباب النصر هو المذكور في هذه الآية: عندنا آية في القرآن آية مُجمَلَة جامعة، الفاذَّة
(1) مسند أحمد (23931) وإسناده صحيح.