الأرض؛ فهي إما بدلٌ منها أو بيانٌ لها.
{إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} هذا تذييل مثل الاعتراض، جملة مُعترِضة، ثم قال: {الَّذِينَ} فبَيَّن {مَن} هذه .. فبيَّنَ من هم الذين ينصرهم؟ هؤلاء الذين إن مكَّناهم، الذين لو قُدِّر لهم التمكين، لو قُدِّر أن الله مكَّنهم في الأرض فماذا يفعلون؟ يشربون خمر؟ يأتوا بالموسيقا والصور والبنات؟ هاه؟! لا.
{الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ} [الحج: 41] وفعلوا المقصود، يعني هذا اكتفاء، يسمونه اكتفاء، الله - سبحانه وتعالى - يذكر بعض ما يكفي، فهمت كيف؟ والمقصود: عِملوا بطاعة الله - سبحانه وتعالى - ومكَّنوا لدين الله - عز وجل -؛ فالمقصود أنهم أقاموا الدين.
فهذا على وجه الإجمال، بدون دخول في التفاصيل الدقيقة، وهذا يكفي للعبد المؤمن، ومع هذا جاءت الشريعة بأسباب كثيرة تفصيلية؛ إما عن طريق النص، وإما ما يُستَنبَط منها ويؤخَذ من ظواهر نصوصها العامة، وهكذا.
ومن أجل الاستذكار وتفهيم المسائل حتى تكون أمام عقل الإنسان واضحة، نذكر بعض التفاصيل بعد الإجمال.
ومن أهم أسباب النصر على التفصيل:
أن نكون نحن مجاهدين في سبيل الله حقًا، أن نحقق الجهاد في سبيل الله لا مجرد دعوة باللسان ونقول نجاهد في سبيل الله ونحن نلعب، ونحن نجاهد من أجل أهوائنا! لا، أن نكون مجاهدين في سبيل الله حقًا.
سبيل الله وطريق الله له حدَّان؛ ما هما؟
-موافقة الشريعة، هذا هو مقصود «في سبيل الله» .
-صحة الاعتقاد والتوحيد لله - سبحانه وتعالى: التقوى والعمل الصالح؛ لأن السبب الثاني هو صحة الاعتقاد، لا بد أن يكون اعتقاداتنا صحيحة، أعمال القلوب صحيحة، تصوُّراتنا صحيحة، أن نعتقد في الله - عز وجل - الاعتقاد الصحيح، ونعرف أسماء الله الحسنى وصفاته العليا وما يليق بالله - عز وجل - من التعظيم وما يليق في ذِكْره، وفي تصورنا لله - سبحانه وتعالى -، ما يليق أن نعتقده فيه من الأسماء والصفات، وكذلك التوحيد لله - سبحانه وتعالى -؛ فنوحد الله في جميع الأعمال ليس بالأعمال الظاهرة فقط، وإنما بالباطنة.
أن نوحد الله - سبحانه وتعالى - في أن نخافه ونخشاه وأن نَرهَبَهُ وأن نتقيه، ونتقي عذابه وسخطه وغضبه، أن نحب الله - سبحانه وتعالى - أكثر من محبتنا لكل شيء، لأي شيء، وما نحبه من الأشياء نجعل محبته تابعة لمحبتنا لله، وهكذا هي أعمال القلوب.