الإنشاء، المراد به الأمر، وهو نهي {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ} لا نافية، لكن هو نهيٌ مباشرةً، فـ {لا} هنا ناهية.
أيها المؤمنون، لا تتخذوا، هذا معناها؛ {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} هذا نهي للمؤمنين أن يتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين، هذه تكميل وتوضيح، إنما تتخذ المؤمنين أولياء فقط، ولا تتخذوا الكافرين أولياء.
بعد ذلك قال: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ} والذي يفعل {فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ} هذا التعبير يستعمل في اللغة العربية للبراءة من الشيء، أو البراءة من الشخص، فيقول -مثلًا-: من فعل كذا فليس مني، فلست منه، فليس منا، فليس مني في شيء، وورد مثله ونظائره في كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - في مواضع، كقوله: (من غشنا فليس منا) (1) ، أنا بريء من كذا.
{فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ} يعني فإن الله بريء منه، ليس من الله في شيء ولا يقرب الله، ولا يكون منتميًا إلى الله هذا معناه، ثم استثنى بعد ذلك فقال: {إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} أي إلا حال التقية، إلا أن تكونوا مضطهدين مغلوبين منهم فتتقوا منهم تقاة فتظهروا لهم -في الظاهر- أنكم لا تعادونهم، إرادة أن تتقوهم، حالة الإكراه وحالة التقية مستثناة فقط، أما غيره فلا، هذا هو الحكم الأصلي: النهي عن اتخاذ الكافرين أولياء، ثم إن الآية فيها صراحة أكثر من غيرها في كثير من الآيات أن من يفعل ذلك ويتخذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين فقد برِئ الله منه {فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ} .
ما معنى هذه البراءة؛ هل هي الكفر؟ {فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ} معناها أنه خرج من دين الله أصلًا أي أنه كَفَر، أو معناها الفسوق والعصيان، محتمل؛ فالله أعلم بمراده، ولكن هذه الآية من أقوى الآيات المحتملة على كفر الموالي للكافرين، وسنزيد هذا المعنى إيضاحًا -إن شاء الله-، هذه الآية الأولى في سورة آل عمران التي بين الله - سبحانه وتعالى - فيها أنه بريء ممن يوالي الكافرين.
الآية الثانية في سورة المائدة قال الله - سبحانه وتعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) } [المائدة] في هذه الآية يخاطب الله المؤمنين، يناديهم ويخاطبهم فاسمعوا هذا الكلام: {لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ} نهي، {لَا} هذه ناهية، يعني أنهاكم أن تتخذوهم أولياء، لا تفعلوا، هذه جملة تشبه الجملة المعترضة كأنه اعتراض، والجملة المعترضة يراد بها بيان معنى قبل تمام الغرض المساق له الكلام.
فقال: {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} أي والحال، الشأن أنهم هم اليهود والنصارى بعضهم أولياء بعض، هم
(1) سنن ابن ماجه (2224) بلفظ: (ليس منا من غش) ، وصححه الألباني.