المخالطة وما فيها من الفوائد، وأشار إلى أن هناك من المقاصد الدينية والأخروية ما لا يتأتَّى إلا بمخالطة الخلق .. هذا معنى كلامه؛ أي أنك محتاج إلى المخالطة.
«ومن فوائد المخالطة: التعلم والتعليم» : كيف تتعلم العلم والشريعة والدين والأخلاق والآداب وسائر العلوم المباحة والمشروعة والمستحبة والواجبة .. الخ إلا بالمخالطة، وهكذا إذا أردتَ أن تُعلم.
«والنفع والانتفاع» : عموم النفع والانتفاع، هذا أعم مما قبله، يعني النفع بالعلم وبغير العلم.
«والتأديب والتأدب» : واضح.
«والاستئناس والإيناس» : الاستئناس بالناس وإيناسهم أن تُدخل عليهم الأنس، أي أن تؤنسهم؛ هذا مقصود شرعي؛ لأن فيه سكينة القلب، واطمئنان، وراحة، وفي الراحة والاطمئنان والسكينة يفعل الإنسان الخير؛ لأن هذا الإنسان محتاج إلى السكينة، والراحة، والاطمئنان، والأنس، ولا يأنس إلا بمجانِسِه من البشر.
«ونيلِ الثواب في القيام بالحقوق» : كثير من حقوق البشر، حقوق الناس والخلق؛ تُحرم منها في العزلة، أما في الخلطة فتنال ثوابها وتُحصلها، وتقوم بها .. هذا من فوائد الخلطة.
«واعتياد التواضع» : فالمنعزل كيف يتعلم التواضع وهو بعيد عن الخلق؟ فمن يخالطهم يتربى ويتعلم، وقليلا قليلا يتعلم التواضع من مخالطة الناس ومعاشرتهم والعيش معهم.
«واستفادة التجارب من مشاهدة هذه الأحوال والاعتبار بها، فهذه فوائد الخلطة، ولنفصلها» : يريد أن يفصل الآن بعض التفصيل في فوائد الخلطة، مما يرجح جانب الخلطة وفضلها، كما أن العزلة لها فضائلها وفوائدها التي سبق أن ذَكَرها؛ فالإنسان العاقل الفقيه ينظر الأصلح والمناسب لشخصه وفي حاله وزمانه، ويفعل الخير.
«الفائدة الأولى: التعلم والتعليم، وقد ذكرنا فضلهما في كتاب العلم» : تقدَّم كتاب «العلم» ، في هذا الكتاب -الكتاب يقصد بهِ الباب-، وفي اصطلاح التصنيف: الكتاب أعم من الباب؛ الكتاب يكون تحته أبواب، والباب تحته فصول، وتحته فروع، ثم مسائل .. وهكذا.
«فأما من تعلم الفرض ورأى أنه لا يتأتى منه الخوض في العلوم، ورأى الاشتغال بالعبادة فليعتزل، وإن كان يقدر على التبرز في علوم الشرع؛ فالعزلة في حقه قبل التعلم غاية الخسران» : معناها أن هذا تفصيل للكلام الذي قاله أولًا أن هذا الأمر يختلف باختلاف الأشخاص، رجل -مثلًا- يُرجى له التبرز في العلم -عنده إمكانية البروز فيه-، عاقل ذكي، عنده جلد على السرد والجرد والقراءة والكتابة والسهر، وعنده شغف ومحبة للعلم وفهمٌ فيه، وحسن فهم، ويرجى له أن يكون من أهله وأن ينبغ فيه،