هذا يقال له: اذهب تعلَّم.
لكن شخص آخر يكفيه أنه تعلم الفرائض، وتعلم ما يقيم صلاته وصومه وضروريات العلم في حقه، أي العلم العيني المتعين عليه وبعض ما يفيده من المستحبات، وكان عنده جلدٌ وقوةٌ على العبادة ومحبة لها؛ فهذا من الممكن أن يعتزل .. العزلة جيدة مناسبة لهذا الرجل الأخير، ولكن الأول لا.
هذا المثال يوضح الكلام الذي قلناه، فيختلف حكمها وفضلها من عدمه، بحسب الأشخاص وبحسب الأحوال، وهكذا.
«ولهذا قال الربيع بن خثيم: تفقَّه ثم اعتزل (1) ، والعلم أصل الدين، ولا خير في عزلة العوام» : العالم يعتزل، يعني لا يخالط الناس؛ لأن الكلام هنا عن العزلة بمعنى ترك المخالطة في أكثر الأحوال وعمومها، لكن ليس معناها ترك الجمعة والجماعة وترك الجهاد!
«سُئل بعض العلماء: ما تقول في عزلة الجاهل؟ فقال: خبالٌ ووبالٌ» نسأل الله العفو والعافية، كيف يتعلموا؟ وكيف يتفقهوا؟ وكيف يُصلح دينه وقلبه وهو جاهل؟ وكيف يعتزل الناس ويترك مجالس العلم ويترك مصاحبة الصالحين!! هذا لا يستفيد شيئا.
«فقيل له: فالعالم؟ فقال: ما لك ولها، دعها، معها حذاؤها وسقاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجهدها ربها (2) » هذا اقتباس من حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- في باب اللقطة، وفيه حديث اللقطة المشهور، لما سُئل عن لقطة الغنم، فقال: (هي لك أو لأخيك أو للذئب) ، ثم سُئل عن لقطة الإبل، قال: (ما لك ولها، دعها معها سقاؤها وحذاؤها) (3) معناه أنها لا تضيع؛ فالإبل من شأنها أنها تسرح وتمشي الأيام والليالي وربما تغيب فترات طويلة وترجع لصاحبها، وصاحبها يطلبها ويبحث عنها؛ فما تضيع، ومعها حذاؤها وسقاؤها. وحذاؤها: أخفافها، أي تتحمل المدة الطويلة والمشي الطويل. وسقاؤها: يعني أنها لا تحتاج للشرب، فإذا شربت رويت وتبقى مدة طويلة؛ فهي سفينة الصحراء، والله أعلم.
هذا اقتباس من الحديث، ومعناه أن المتضلع من العلم لو اعتزل فلا بأس .. فهو تمثَّل بهذا الحديث، أي أجراه مجرى المثل ومجرى الرمز فاقتبسه وعبر به عن المقصود هنا، ومعناه أن العالم والفقيه لو اعتزل فلا بأس؛ دعه معه حذاؤه وسقاؤه.
«وأما التعليم، ففيه ثوابٌ عظيم إذا صحَّت النية فيه» : تعليم الناس العلم النافع.
(1) انظر: العزلة والانفراد لابن أبي الدنيا (38) .
(2) نسب «ابن رجب الحنبلي» هذه العبارة بشطريها لـ «ابن عقيل الحنبلي» ، انظر: ذيل طبقات الحنابلة (1/ 353) .
(3) صحيح البخاري (91، 2428) ، صحيح مسلم (1722) .