«ومتى كان القصد إقامة الجاه والاستكثار من الأتباع فهو هلاك الدين» : نسأل الله العافية والسلامة؛ هذا بالنسبة للمعلم .. فإذا كان قصده الاستكثار من الأتباع وقصده الجاه -أي أن يكون له جاه- وغير هذا من المقاصد الدنيوية غير الأخروية؛ فهذا -والعياذ بالله- هلاك ووبال على صاحبه.
«والغالب في هذا الزمان سوء القصد من المتعلمين فيقتضي الدينُ الاعتزال عنهم» : هذا هو النظر إلى الزمان والأحوال، فهو يذكر أن في تلك الأزمان المتأخرة ساءت الأمور .. فكيف بزمننا هذا الآن؟! هو يتكلم في القرن السابع أو الثامن؛،فكيف بزمننا هذا؟! لا شكّ أن الغالب على المتعلمين هو المقاصد السيئة، نسأل الله العافية والسلامة.
«فإن صودف طالبٌ لله ومتقربٌ بالتعلم إليه، لم يجزْ الاعتزال عنه» إذا كان محتاجًا لمن يعلمه، أنت إنسان تستطيع أن تعلم الطلبة، آتاك الله علمًا -وكنتَ من أهل العلم- ووجدتَ الطلبة محتاجين لمن يعلمهم، وهم بهذه المنزلة، يعني طالبون لله ولليوم الآخر، وللفوز والنجاة في اليوم الآخر، يريدون الطلب الأخروي الممدوح، المحمود المحبوب لله - سبحانه وتعالى -، ونياتهم ومقاصدهم صحيحة.
حين إذن لا تنعزل عنهم وتتركهم وتذهب وتقول: أنا أتعبد، وأنا لا أريد أعلم الناس، ولا أنتصب للعلم، ولا أبغي التعليم ونحوه .. هذا خطأ، ولا يجوز إذا كان ليس هناك من يسد هذا الثغر؛ لأن الأصل أنه فرض كفاية إذا وُجد من يعلمهم سقط عنه .. لكن إذا لم يجد من يعلمهم، إلا بمشقةٍ بالغة أو صعوبة، أو لم يوجد أصلًا، وتعذر ذلك، حين إذن لا يجوز الاعتزال عنهم بل يجب عليك أن تقوم بواجب التعليم، وفي هذا تفصيل؛ يجري على النسق الفائت الذي فصلنا فيه أحكام هذه المسألة.
«ولا يحل كتمان العلم، ولا ينبغي أن يغتر بقول من قال: تعلمنا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا لله» يريد أن يقول أن هذه العبارة التي وردت عن بعض السلف -تجدونها في كتب الفقيه والمتفقه وآداب طالب العلم- ويذكرها أهل العلم، فقد قالها جماعة من السلف، غير واحد منهم قال: «تعلمنا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا لله» (1) ، ومرادهم أن العلم يجر صاحبه إلى الله - عز وجل -، لكن ليس معناها: يا طالب العلم؛ لا يهمك النية وتصحيح المقصد من البداية؛ واطمئن لأن العلم سيأتي بك لا محالة .. لا تفهمها هكذا، ولا تغتر بهذا القول.
لكن معناها أنها تُحمل على أنهم لم يكونوا يعرفوا، ربما كانوا جهالا، أو كانوا صبيانًا صغارًا،
(1) نُقل هذا عن: سفيان الثوري، انظر: النكت على ابن الصلاح للزركشي (3/ 644) ، وعن معمر وعن الحسن البصري، انظر: جامع بيان العلم وفضله (1378، 1383) ، وعن الغزالي، انظر: طبقات الشافعية للسبكي (6/ 149) .