فالصبي الصغير عندما يرسل إلى الكُتاب وإلى المعلمين وإلى المؤدبين يتعلم منهم، ولا يكون عنده قصد صحيح في البداية؛ فما زال لا يعرف الإخلاص والرياء وهذه المعاني، وربما يغلب عليه المحبة والشغف بالعلم، وأن يكون من العلماء، وأن يكون متعلمًا.
وربما يقصد أيضًا مُراءاة الناس والشهرة؛ ربما يدخل عليه هذا، لكنه ما زال في الغالب إما تحت التكليف، وإما في بدايات التكليف وما زال جاهلًا، لكنْ يكون فيه صلاحٌ من جهة انجذابه إلى الله - عز وجل - واليوم الآخر، ومن جهة ما رزقه الله - سبحانه وتعالى - من لين القلب والتواضع والتعبد لله - سبحانه وتعالى -.
فإذا تعلم ذلك العلم جره إلى الخير وانتفى ذلك الفساد الذي كان موجودًا؛ لأنه ناشئٌ طارئٌ بسبب جهله، وبداياته .. هذه هي التي عبَّرَ عنها السلف وأرادوها، لكن ليس معناها: لا يهمك القصد، لا بل يجب عليك أن تصحح القصد.
«فإنه أشار بهذه العلوم إلى علوم القرآن والحديث، ومعرفة سير الأنبياء والصحابة، وذلك يتضمن التخويف والتحذير، وهو سببٌ لإثارة الخوف من الله - سبحانه وتعالى -؛ فإن لم يؤثِّر في الحال أثَّر في المآل، فأما علم الكلام وعلم الخلاف فإنه لا يَرُدُّ الراغب في الدنيا إلى الله - سبحانه وتعالى -، بل لا يزال صاحبه متماديًا في حرصه إلى آخر عمره» أشار إلى محمِل هذه العبارة ووجهها التي ينبغي أن تفهم وتحمل عليه، وهي أنها محمولة على من طلب علم الدين؛ العلم الصحيح من الكتاب والسنة وعلم الشريعة، وأراد أن يتعلم الدين وعنده محبة وانجذاب إلى الدين والتعلم -كما قلنا-؛ فهذا ينفعه العلم حتى إن كان في البداية ما زال لا يعرف الأمر، فينفعه العلم ويأتي به للطريق، ويجره إلى الإخلاص وإلى إصلاح مقصده ونيته وإصلاح قلبه ونفسه، ويظهر عليه هذا ويرسخ فيه بعد مدة.
أما من كان يتعلم علوم الكلام والفلسفة والمناظرة والجدل؛ فهذا لا ينفعه، فلا يقول: أنا أتعلم هذه العلوم لغير الله، ليست مشكلة، لكن هي ستجرني إلى الله .. فنقول: لا لن تجرك! بل والله لن تجرك إلا إلى الهلاك -والعياذ بالله-.
«الفائدة الثانية: النفع والانتفاع» هذه هي الفائدة الثانية في الخلطة ومخالطة الناس؛ النفع والانتفاع، وهو أعم من العلم والتعلم الذي سبق.
«أما الانتفاع بالناس فبالكسب والمعاملة، والمحتاج إلى ذلك مضطرٌ إلى ترك العزلة، وأما إن كان معه ما يقنعه، فالعزلة أفضل» يعني بـ «ما يقنعه» ما يسد حاجته، فمن كان عنده ما يكفيه فالعزلة أفضل من هذا الوجه بغض النظر عن الوجوه الأخرى؛ لأنك أنت أحيانًا تجتمع الوجوه فتحتاج إلى الترجيح وتحتاج إلى الموازنة، لكن هنا يتكلم المؤلف عن كل عنصر على حدة.