إن كان عنده ما يقنعه وما يكفيه؛ فالعزلة أفضل له، وغير لازم له أن يطلب الكسب .. العزلة هنا أفضل من الكسب ومن مخالطة الناس ومعاملتهم.
«إلا أن يقصد التصدق بكسبه، فذلك أفضل من العزلة» يتصدق على الفقراء والمساكين ونحوهم، إذا قصد هذا، ستكون الخلطة مطلوبة؛ لأنه كيف يكسب وهو معتزل؟
«إلا أن تكون العزلة مفيدةً له معرفةَ الله - سبحانه وتعالى - والأنس به، عن كشفٍ وبصيرة، لا عن أوهامٍ وخيالاتٍ فاسدة» : هذه أشياء يرجح بينها الإنسان؛ فهو يذكر من يريد التصدق، ثم قال «إلا أن يكون يرى أن العزلة أفضل له» ؛ لأنها تفيده معرفة الله والأنس به، وليس كل الناس هكذا؛ ولهذا احترز وقال لك: «عن بصيرةٍ، وليس عن أوهام» ؛ يعني إذا عرفت بالفعل عن بصيرة وتبين لك أن العزلة مفيدةٌ لك، تفيدك معرفة الله والأنس به، والتحقق بعبادة الله - سبحانه وتعالى - والسير في طريق العبودية لله - سبحانه وتعالى - سيرًا صحيحًا مستقيمًا، مع الاجتهاد في هذا، فلا بأس.
وأضاف هنا: «أو كشفٍ» : العلماء وقع منهم هذا كثيرًا، خاصةً في هذه القرون، وفيه حقٌ وفيه باطلٌ، لا نريد أن نتكلم فيه الآن، لكن المقصود أنه إذا كان عن بصيرة تبين لك هذا لا بأس، لكن إذا كانت أوهام؟ ظننتَ أنه قد يفيدك الاعتزال بينما هو لا يفيدك! فاحترز من هذا وانتبه ولا ترجح به.
«وأما النفع: فهو أن ينفع الناس إما بماله أو ببدنه؛ لقضاء حوائجهم، ومن قَدَر على ذلك مع القيام بحدود الشرع فهو أفضل من العزلة إن كان لا يشتغل في عزلته إلا بنوافل الصلوات، والأعمال البدنية» ؛ لأن هذه الأعمال التي ينفع بها الناس أعظم من الاشتغال بنوافل العبادات القاصرة من صلاةٍ ليلًا ونهارًا، وقراءة القرآن، وذكرٍ لله، وهكذا.
فنفع الناس مقدمٌ عليها إلا القدر المتعين منها أو الواجب، لكن المستحب منها والمتطوَّع بها أفضل منه الاشتغال بنفع الناس، وهذا في حالة عدم التعين طبعًا، أما إذا تعين فالمتعين هو المتعين بلا شك، وهو الأفضل، (ما تقرب إلي عبدي بشيءٍ أحب إلي مما افترضته عليه) (1) .
لكن في حال كونها نوافل وتطوعات كلها؛ فالاشتغال بما ينفع الناس الذي يتعدى نفعه .. أفضل.
فمن مرجحات الأعمال: التعدي والقصور؛ كما تقرر عند العلماء، وهذا لأدلة الشريعة على أن العمل الذي ينفع الناس أفضل من القاصر على نفسه في العموم وفي الأغلب، ولكن قد يكون في فروع هذا الأصل بعض التفاصيل.
(1) صحيح البخاري (6502) .