وليونة الجانب وسمو الأخلاق ومياسرة الشريك، والبعد عن الشماتة وتخطي الماضي والحذر من نبشه، وفي هذا المقام فسلامنا إلى كل إخواننا ممن هضموا أنفسهم وأرغموا أنف الشيطان وقدموا مصلحة الأمة العامة على الحظوظ الخاصة فاجتمعوا مع إخوانهم فأفرحوا بذلك المؤمنين المحبين، وأغاظوا أعداءهم الكافرين الحاقدين: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) } [آل عمران] .
واستغلالًا لهذه الفرصة أحببنا أن ندوِّن بعض الخواطر أو الأفكار التي ربما تجدون فيها شيئًا تستفيدون منه في مسيرتكم المباركة؛ لعل الله يكتب لنا أجر المشاركة ولو كنا بعيدين.
أولًا: إخواني الكرام، كما تعلمون -سددكم الله- أن هذه الأمة قد ابتليت بأنواع من الغزو كل واحد منها كان كافيا لأن يأتي عليها لولا لطف الله ورحمته؛ فغزيت عسكريا، وفكريا، وأخلاقيا، وعقائديا، وعلى جبهاتٍ أخرى متنوعة متعددة، حتى أصبح الدين الذي تنتسب إليه وتتسمى باسمه إن نظرتَ إلى حقيقته وواقعه لرأيته (دينا غريبًا) (1) مصداقا لما أخبر به الصادق المصدوق (، وإن أكثر ما اهتم به أعداء الأمة هو إبعادها عن كتاب ربها وسنة نبيها (وإشغالها بكثير من العلوم التي تنفق فيها الأعمار وتنقطع في تحصليها الأنفاس وهي لا تسمن ولا تغني من جوع، وإنما هي: {كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ(39) } [النور] ، حتى قال أحد مجرمي الغرب وهو «غلادستون» رئس وزراء بريطاني سابق: «ما دام هذا الكتاب موجودًا، فلن تستطيع أوربا السيطرة على الشرق، ولا أن تكون هي نفسها في أمان؛ لذا لا بدّ لنا من أن نعمل على إزالته من الوجود، أو نقطع صلة المسلمين به» (2) اهـ. فأنتج هذا الإبعاد ركاما من الجهل والخرافة والخزعبلات وتداخل ما هو دين بما هو عادات وأعراف شب عليها الصغير وهرم فيها الكبير، وأشربت قلوب الناس تلك الأمور حتى صارت في منزلة العقائد الراسخة التي لا تقبل النقض ولا الاعتراض إلا بشق الأنفس؛ فصار إرجاع الأمة إلى دينها وكشف غمة أنواع الغزو عنها يحتاج إلى جهد جهيد وكد متواصل مع الشمول والتعميم بحيث لا يتوقف ذلك على رد الغزو العسكري فقط - هذا مع أنه البوابة لما وراءه - خاصة في حالتكم أنتم حيث صار الشعب أو أكثره تحت سلطتكم وأمانة في
(1) يعني بهذا قوله -صلى الله عليه وسلم-: (بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء) . رواه مسلم (145) .
(2) قادة الغرب يقولون: دمروا الإسلام أبيدوا اهله (ص 10) ، نقلا عن: وا محمداه إن شانئك هو الأبتر (3/ 142) .