عنقكم وقد ضم أصنافا متعددة من الاتجاهات والمستويات مما لا يحصيه إلا الله، فأول ما ينبغي التركيز عليه هو نشر العلم الحقيقي سواء بالتدريس المنهجي لمن تيسر له ذلك وظهرت عليه مخايل الاستعداد أو بالدعوة العامة والتذكير والمواعظ والتوجيه وعلاج أمراض المجتمع رويدا رويدا وشيئا فشيئًا على مَهلِ وبتؤدة وأناةٍ وربَّانيةٍ -البدء بصغار العلم قبل كباره- حتى ينتشر العلم ويشيع الخير وتستيقظ القلوب ويغلب على الناس ذكر الآخرة، والقرب من الله، والمحافظة على سبل الخيرات، ومحاسن الأخلاق، ويصبح هذا الخير شائعًا منتشرًا فاشيًا غالبًا؛ فإن إصلاح قلوب الناس هو نصف العلاج بل أكثر، عن النعمان بن بشير - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلاَ وَهِيَ الْقَلْبُ) متفق عليه (1) ، وإن صلاح الأجساد -الذي هو استقامتها على الحق- يعني صلاح المجتمع، ولا تهونوا من هذا الأمر ولا تحسبوا أنه من مكملات الأعمال وفضول المهمات .. كلا، وإنما هو من صميم أعمالكم، ومن أعظم ما ييسر عليكم إجراء سياساتكم، ويشرح صدور الناس لتقبلها وتقبلكم، هذا مع تخوّلهم بالموعظة وعدم الإكثار عليهم كما هي سنة المصطفى (؛ فعن شقيق قال: «كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بن مسعود يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ؟ قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ (يَتَخَوَّلُنَا بِهَا، مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا» متفق عليه(2) .
وينبغي في هذا الصدد إرجاع مكانة المسجد وحيويته وربطه بسائر شؤون الحياة؛ فهذا تعبير عملي علمي حقيقي على هيمنة الدين على جوانب الحياة كلها، فكما أن المسجد من أعظم مواطن صلة العباد بربهم بأداء الصلاة فيه، فهو أيضًا من أعظم مصادر ربط المجتمعات بشرائع دينهم، وأنه لا فصل بين هذا وذاك مما نتج عن التأثر بالفكر العلماني الذي يجعل بعض ما لله لله وما لقيصر لقيصر، فالمسجد مركز الرسالة، ومحل التوجيه، وموطن الإرشاد، ومنبع الحكم، ومهد التربية، ومنطلق الجيوش وقد كان كلَّ شيء في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- وخلفائه الراشدين - رضي الله عنهم - فلنرده إلى ما كان عليه, ولننفض عنه غبار قرون من الهجران والإهمال والعزل الذي ضربه عليه الجهل وقنع به الجهال.
والمقصود أن أكوامًا من الجهل المكدس والأعراف المتأصلة والعادات المتجذرة والمألوفات التي أشربتها النفوس أعواما وأعواما مما يخالف الشرع .. لا ينبغي أن تهمل فلا ينظر إليها ولا يعتنى بعلاجها
(1) صحيح البخاري (52) ، صحيح مسلم (1599) .
(2) صحيح البخاري (70) ، صحيح مسلم (2821) .