وإصلاح الناس فيها، وكذلك لا يطلب علاجها ولا تخلي الناس عنها وانقلابهم عليها بين عشية وضحاها، وإنما الناس اليوم كالمريض الذي أرهقه المرض؛ فيحتاج إلى العلاج على جرعاتٍ تناسب حاله وتراعي مرضه حتى يتعافى، فعلاج الناس في أمراض أديانهم هو في الجملة من قبيل علاجهم من أدواء أبدانهم، ومن خير ما يبعث الناس على تقبل الحق والتزامهم به هو سلوك دعاتهم -الذين هم بمنزلة الأطباء- ومن حولهم؛ فجنودكم اليوم هم القدوة للعامة، فينبغي الاعتناء بتربيتهم وتعليمهم وتوجيههم ونصحهم وتوسيع مداركهم، وتعريفهم حقيقة أنفسهم، وتفهيمهم طبيعة مرحلتهم، وأنهم في محلٍّ عظمت فيه مسؤوليتهم، وليحذروا أشد الحذر من أن يكونوا منفِّرين سواء بأقوالهم أو بأفعالهم وسلوكهم، وفي هذا الصدد يجب رصد أيةِ بادرةٍ -مهما صغرت- يكون مؤداها تنفير الناسِ وتبغيضهم وإبعادهم عنكم، وليس معنى ذلك هو إرضاء الناس على حساب الشرع، ولا التنازل عن الحقِّ وتضييعه وتمييعه طلبًا لذلك، وإنما الواجب هو إتقان الكيفية التي يقدَّم بها هذا الحق للناس حتى يتقبلوه مستبشرينَ به لا نافرين عنه، والأمثلة في سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- كثيرةٌ ومتنوعةٌ وهي لمن تأملها مليئة بالحِكم البالغة والإرشادات العظيمةِ كما روى البخاري ومسلم عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ (فَقَالَ: إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ، مِمَّا يُطِيلُ بِنَا فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ (غَضِبَ فِي مَوْعِظَةٍ قَطُّ أَشَدَّ مِمَّا غَضِبَ يَوْمَئِذٍ فَقَالَ:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ أَمَّ النَّاسَ، فَلْيُوجِزْ فَإِنَّ مِنْ وَرَائِهِ الْكَبِيرَ، وَالضَّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ) (1) ، فانظر إلى هذا الحديث على وجازته كم ضم من الحِكم والدلالات والتوجيهات التي يجب عدم إغفالها:
منها: وجود الجهة التي يشتكي إليها الناس عند وجود العَنَت ووقوعهم فيه كما اشتكى الرجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، حتى ولو كان ذلك التعنيت في ركنٍ من أركان الدينِ فكيف إذا كان فيما دون ذلك أو في أمرٍ من أمور الدنيا، وإن أشدَّ شيءٍ على المرء أن يكتم عناءه ويحبس معاناته مع شعوره بالضيم والإجحاف لعدم وجود من ينصفه، فمثل هذا قد يصبر ولكن إلى حينٍ، فكما يقولون: «الضغط يولِّد الانفجار» ، وقد يكون انفجارًا ضخمًا متشظيًا مستئصلًا يأتي على الدولِ والأنظمةِ، وما الأحداث الجارية اليوم في الأمة عنَّا ببعيدٍ، والحكمةُ ضالة المؤمن.
ومنها: استماع النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى شكوى الرجل وعدم إهمالها والتغاضي عنها والتهاون فيها.
ومنها: حرص النبي -صلى الله عليه وسلم- على سدِّ كل بابٍ يمكنُ أن يكون سببًا في إبعاد الناس عن الحقِّ وعملِ
(1) صحيح البخاري (702، 704، 6110) ، صحيح مسلم (466) واللفظ لمسلم.