فهرس الكتاب

الصفحة 1840 من 1908

تعالى: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (16) } [فصلت] ، وذلك أن استجلاب التأييد واستنزال النصر وطلب العون من الله تعالى له أيضًا تلك المعاني الخفية في ظاهر حالها الجلية عند أهل الإيمان المستيقنين بها، وعلى هذا من الأدلة ما لا يحصى سواء في باب الجهاد أو غيره؛ كما قال تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) } [آل عمران] ، وكما قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7) } [محمد] ، وكالأحاديث التي ذكرتُ بعضها.

فالمقصود أن كثيرًا من الأمور التي يعبَّر عنها اليوم بالجانب «الإنساني» هو داخلٌ في معنى «الرحمة» ؛ ذلك الوجه المشرق البهي الناصع في ديننا الحنيف والذي يجب إظهاره على حقيقته الناضرة التي كان يسير عليها مَن بعثه الله تعالى وقال له: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) } [الأنبياء] .

فإبداء هذه الصفحة -ليس لأمة الإسلام فقط بل للعالم كلِّه مسلمه وكافره- من غير تمييع لحقائق الدينِ، ولا تنازلٍ عن أحكامِه، ولا تكلُّفٍ في إلصاق ما ليس منه به .. هو من الجهود المحمودة التي يجب الاعتناء بها، وتنويع كيفية إبدائها، والتركيز على إظهارها وإشهارها، واحذروا -مع الانضباط المذكور- أن تستشعروا أن هذا من «تمييع الحق» ، أو «التنازل عن المبادئ» ، أو «التفريط في الولاء والبراء» ، أو «تتبع الرخص» ، أو «مداهنة الكفَّار» أو نحو ذلكَ مما قد يتردد في النفوس، أو تخطُّه بعض أقلام المتهورين؛ فإنَّ نفسَ إقامة الدينِ والتمسك بالشرائع والانضباط بها على الوجه الصحيح هو الرَّحمة لأنَّ عينَ الرسالة التي جاء بها النبي -صلى الله عليه وسلم- {لِلْعَالَمِينَ} -وليس فقط للمؤمنين- هي الرَّحمة، وبالتالي فلا يحتاج الأمرُ إلى تخيُل شيءٍ من الأشياء بأنه ضربٌ من ضروب الرحمةِ ثم القيام به حتى ولو كان خلاف الشرع؛ فإن تلك الرَّحمة المتخيَّلة والمزعومة إنما هي موهومة ملغاة، إما لكذبها في أصلها لانعدام الرحمة منها رأسًا وإنما هي ضعف وخور ورقةٌ في غير موطنها، وإما لمعارضتها ومناقضتها لما هو أولى منها تقديمًا، أو لاشتمالها على مفاسد عظيمةٍ غابت أو غُيِّبت عن عقلِ وفهم متوهّم تلك الرحمة.

إن لب المشكلة مع أعدائنا -أيها الأحبة- هو حرصهم الدائم والتام على إلغاء الشريعة الإسلامية وإبعادها إبعادا تامًا عن واقع الناس وعن فكرهم، وبذل الجهد لإيصال الشعوب إلى درجة الاستهجان من ذكر تطبيقها فضلا عن السعي لإقامتها، وليس ذلك حرصا على مصالح الشعوب ولا رحمة بها ولا شفقةً عليها وإنما لأن إقامة الشريعة على وجهها الصحيح بما تضمنته من رحمة وعدلٍ وشمولٍ وإكرام للإنسان تبدد ظلام دعاوى أنظمتهم المستبدة والمغلفة زورا بحقوق الإنسان، وتكشف مدى الهمجية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت