والوحشية والظلم والقسوة التي تمثلها تلك الأنظمة «الديمقراطية» ؛ فيكون ذلك داعيًا لالتفات الشعوب إلى هذا النموذج العادل الجديد الذي لم يعهدوا مثله ولم يروا نظيره فيتسرب إلى قلوبهم حبه والشوق إلى مزيد من التعرف عليه، وهذا وحده كافٍ لصرف الناس عن أولئك الطغاة المستبدين الذين يعدون ذلك قضاء على مصالحهم وحيلولة دون تحقيق مآربهم وسيطرة أهوائهم، وهذا الأمر يدعوكم لأن تكونوا نموذجًا حيًا حقيقيا لتطبيق الإسلام، ليشمل العناية بدين الناس و «دنياهم» ، ولست بذلك أدعو إلى محاولة التكلف في التنميق والتزويق والتعسف في إظهار صورة الإسلام الجميلة -كما يقال- وإنما فقط أن نطبق الإسلام على وجهه بعيدًا عن الشطط والغلو والتنفير بسماحته وفسحتِه وسعتِه وجديته؛ فهذا وحده كافٍ لإظهار نوره وتغييب ظلام تلك الأنظمة التي طمست على بصر الناس وبصائرهم عقودًا عديدة.
وعلى كلِّ حالٍ .. فالمقصود بهذه النقطة هو أن تجتهدوا عبر وسائل إعلامكم المرئية والمسموعة والمقروءة في إظهار كثيرٍ من جهودكم «الإنسانية» ، وتعريف العالَم بها، مع الاعتناء التام بموافقة الدعاية للحقيقة ومطابقتها للشرع والواقع، فليس ثمةَ شيءٌ كالصدقِ الذي يهدي إلى البر، لما في ذلك كلِّه من استنزال معونةِ الله لكم ولطفه بكم مع ما يحصل من استمالةِ قلوبِ الناسِ وكفِّ كثيرٍ من أبواب الشرور عنكم، فهي في الحقيقة جزءٌ من ساحات المعركة التي يجب أن تخوضوا غمارها بعنايةٍ وإتقانٍ ومهارةٍ والله معكم ولن يتركم أعمالكم.
وفي هذا الصدد فلا أرى أي مانعٍ -وأنتم أدرى بظروفكم- من توجيه نداءٍ علنيٍّ للمنظمات الخيرية الإسلامية بالعموم والإجمال؛ ليكون لها جهدٌ في إغاثة المحاويج من المسلمين وتوفير بعض ما يمكن من ضرورياتهم، خاصةً في أوقات النكبات أو ما يسمى بالكوارث كالجفاف، والجدب، والمجاعةِ ونحو ذلكَ، فلن يعدوَ الأمر أن يكون استعانة ببعض المسلمين في وجهٍ من وجوه الخير التي يقدرون عليها، عن أسلم: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ عَامُ الرَّمَادِيِّ، وَأَجْدَبَتِ الْأَرْضُ كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عُمَرَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَخْبَرَنِي الْعُمَرِيُّ مَا تُبَالِي إِذَا سَمِنْتَ، وَمَنْ قِبَلَكَ أَنْ أَعْجَفَ، وَمَنْ قِبَلِي، وَيَا غَوْثَاهُ، فَكَتَبَ عَمْرٌو: «السَّلَامُ عَلَيْكَ أَمَّا بَعْدُ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، أَتَتْكَ عِيرٌ أَوَّلُهَا عِنْدَكَ، وَآخِرُهَا عِنْدِي، مَعَ أَنِّي أَرْجُو أَنْ أَجِدَ سَبِيلَانِ أَحْمِلُ فِي الْبَحْرِ» رواه ابن خزيمة، والحاكم- وهذا لفظه- والبيهقي (1) .
(1) صحيح ابن خزيمة (2376) ، مستدرك الحاكم (1471) ، السنن الكبرى للبيهقي (13017) .