فإن تلك المنظمات حتى ولو كان بعضها في الخفاء مرتبطًا ببعض الأنظمة المرتدة، ولكنَّ أكثر القائمين عليها في ميادين الأعمال هم من عامة المسلمين أو حتى من خيارهم، والأموال التي تُسيَّر بها مشاريعها غالبًا ما تكون من صدقاتهم وتبرعاتهم، وما يُتصور من الأضرار المحتملة التي قد تقع خفية من تلك المنظمات؛ فهي ليست بتلك الجسامة مقارنةً بجوانب الخير الذي تقوم به، وليس حالها كحال كثير من المنظمات الإنسانية الغربية التي تمارس التنصير ونشر الفساد الأخلاقي والعقائدي بين المسلمين، وليكن منكم لتلك المنظمات الخيرية الإسلامية كلُّ التسهيل والتيسير في الجوانب التي يتولونها؛ فإنها قد تكون بابا عظيما لكثير من المسلمين المحبِّين لكم الذين يتحرجون من مباشرة دعمكم إما لخوفهم على أنفسهم من إلصاق تهمة الإرهاب ودعمه، وإما لميولهم إلى القيام بجوانب الخير الأخرى التي تطمئن إليها قلوبهم وتنشط نحوها نفوسهم من بناء المساجد وكفالة الأيتام والأرامل وإنشاء المدارس ونحو ذلك؛ فما دام ذلك ممكنًا ويؤدي بعض الخير الذي يحتاج إليه الناس ويخفف عنكم شيئًا من الأعباء فلا ينبغي أن يحرموا منه، ولتدرسوا الأمر بعنايةٍ، وإنما هذا مجرد تنبيهٍ.
أما الوجهة الثانية: فهو مضاعفة الجهود العملية التطبيقية في هذا الجانب، وذلك بإنشاء إدارات مناسبةٍ تُعنى بشمول شرائح الشعب كافةً لمتابعةِ أحوالهم، والتعرف على ظروفهم، وإقامة جهات تتولى توفير احتياجاتهم، وهذا يستدعي منكم إقامة بعض الدورات الإدارية بجانب الدورات الشرعية، لتكون نواةً وبدايةً لبناء مؤسسات يتولاها أهل الكفاءة والخبرة والديانة ممن يقوم على هذا الأمر بوجهه الأحسن حسب الإمكانِ، ولا يهولنّكم الأمر ولا تستعظموه فإنه في غاية اليسر مع الاستعانة بالله والشروع فيه عمليًا وستكتشفون -بإذن الله تعالى- أنه سيخفف عنكم كثيرًا من الأعباء والأثقال التي يتولى حملها الآن أفراد معدودون أو جهات محدودة.
فلئن كان عمرُ بن الخطاب - رضي الله عنه - يتجوَّل ليلًا في المدينة بنفسه ليتعرف على الأحوال ويستقصيها، ويقضي حاجات الناس فإن هذا غير ممكنٍ اليوم لاتساع الرقعة وكثرة الخلق وشدة المخاطر وتنوع الحاجيات التي لا يتأتى أن يتولاها شخصٌ واحدٌ ولا أشخاصٌ، وهي من ضروريات الحياة ومن لوازمها ولا يستغني الناس عنها بحيث يمكن إغفالها؛ فلزم سلوك طرقٍ إداريةٍ يحصل بها هذا المقصود، ولا شكَّ أن هذا يحتاج إلى شيءٍ من الوقت وإلى جهدٍ كبيرٍ ومتواصلٍ أنتم له أهلٌ إن شاء الله تعالى، ويبدأ كما ذكرتُ بإقامة دورات تعريفية مركَّزة وجادَّة لوضعِ أساسٍ ينطلق منه كلُّ صاحبِ مهمةٍ وتكليفٍ؛ فمثلًا: في الجانبِ الطبِّي -وهو من الضروريات- بعد انتقاء الأفراد المناسبين يتم إقامة دورات طبيةٍ تبدأ من الإسعافات الأولية ثمُ يرتقى بهم شيئًا فشيئًا، وتعادُ لهم دورات من مستوى أعلى