المستحلِفِ (1) .! وأي ضرورة تلجئ إلى هذا أصلا، وقد وسّع الله تعالى، ألا يمكن أن نستعين بالله تعالى ونتصبّر ونصابر قليلا، (ومن يتصبّر يصبّره الله) (2) ، والله المستعان على صروف الزمان.
اللهم يا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك، نسأل الله - عز وجل - أن يلطف بنا وبالمسلمين في كل مكان .. آمين.
جواب الفقرة الرابعة: «هل يجوز التصالح مع اليهود في فلسطين والاعتراف لهم بالوجود على حدود 48، وهل صحيح بأن صلاح الدين الأيوبي صالح الصليبيين؟ أرجو توضيح الفرق بين الحالتين في حال صحة الخبر» ؟ الاعتراف لليهود بشرعية الوجود؛ أي وجود الدولة والسلطان على أرض فلسطين أيِّ شبرٍ منها: لا يجوز بالإجماع .. وقد صرح به العلماء جميعا، لا نعلم في هذا خلافا من لدن ثلاثينيات القرن الإفرنجي الماضي، إلى الآن؛ قال الله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: 39] .
كيف وهذه أرضٌ إسلامية فتحها سيدنا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - والمسلمون وأقاموا فيها علَم الدين ورفرفت عليها رايته من يومئذ، فصارت دارَ إسلام، ثم غزاها الكفار الصليبيون ونصّبوا فيها حكم اليهود وأعانوهم على إقامة سلطانهم اللعين فيها، فصارتْ دار حربٍ بغلبة حكم وسلطان الكفار عليها، وثبتَ في أعناق المسلمين جميعا واجبُ تحريرها وتخليصها وإعادتها إلى حظيرة سلطان الإسلام وحكمه؛ فهذا لا يبعُدُ أن يكون من ضروريات الدين العلمُ به.
فيحب على كل مسلمٍ أن يعتقد أن دولة اليهود على أرضِ فلسطينَ باطلة ولا شرعية لها بوجهٍ، ولا احترام، وأن فلسطين أرضٌ إسلامية سليبة يجب تحريرها، ولذلك أفتى علماء القدس وجميع علماء فلسطين وسائر من تكلم في المسألة من علماء المسلمين بعدم جواز بيع أي شبرٍ من أرض فلسطين لليهود، وأن هذا البيع لو تمّ مِن كائنٍ مَنْ كانَ فهو فاسد باطل لا تترتّب عليه آثاره شرعًا، ولا خلاف في هذا بين علمائنا جميعا، والحمد لله.
لكن يقال هنا: هل ترون أن الضرورة من الضعف الحقيقي والعجز المتحقق وخذلان القريب والبعيد وتكالب العالم الكافر عليهم جيمعه وغير ذلك، قد تُلجئُ المسلمين في فلسطين إلى الاعتراف بدولة اليهود على حدود ثمانية وأربعين، فهم في ذلك في حكم المكره، والكل يعرف أنهم في حكم
(1) انظر: صحيح مسلم (1653) من حديث أبي هريرة قال -صلى الله عليه وسلم-: (الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ) .
(2) صحيح البخاري (1469) وقد تقدم.