فهرس الكتاب

الصفحة 289 من 1908

العسكري، هذا الشيء يمكن أن يوجد جنسه وآحاده في أي ساحة دعوية أو جهادية وفي أي زمان، لكن هنا في الجزائر كان طافحًا جدًا لدرجة الظاهرة والسمة الغالبة .. تطوَّرت هذه المفاهيم المغلوطة والخاطئة حتى وصلت إلى مستويات قبيحة وفظيعة جدًا على يدي الكتيبة الخضراء «كتيبة زيتوني» ثم على يد الجيا في زمن عنتر فيما بعد.!

الخلاصة: التشدد والغلوّ في الدين والتنطع، وقد قال نبينا -صلى الله عليه وسلم-: (هلك المتنطّعون) (1) .

حضرتُ «جمال زيتوني» في أوائل سنة ستة وتسعين بعد قتلهم للشيخ «محمد السعيد» وصاحبه «عبد الرزاق رجّام» - رحمهما الله -، وفي الفترة التي كانت الجماعة تدّعي فيها أنهما سقطا في كمين، ولمّا تعلن وتتبنّى بعدُ قتلهما، حضرته وقد جاء يزور المنطقة الثانية .. فمرّ علينا في أحد المراكز الكبيرة، وحضر معه كتيبته الخضراء على رأسها «عنتر» ، وكان «حطاب» وجماعة من أعيان منطقته حاضرين، بعد صلاة العصر اجتمع عليه الشباب وقوفًا متحلّقين حوله وتحدّث معهم قليلا.

لم يسأل عن صلاتهم .. ولا طهارتهم ووضوئهم وغسلهم. ولا عن سائر عبادتهم، ولا تفقد أخلاقهم، ولا استكشفَ فهمهم لمسائل الدين والدنيا .. ! إنما سأل فقط عن «السنة» !! وأشار إلى أمير المركز سائلًا إياه: أين عمامتُك؟

فطفق أمير المركز يحلفُ أنه كان له عمامة لكن ضاعت، وأنه وصى الإخوة يحضرون له قماشًا ولحد الآن لم يحضروا وأنهم وأنهم، واحمرّ وجه المسكين، والله لكأنه كان متلبّسًا بجريمة كبيرة.! هذا حصل أمامي.

المفارقة أنهم كانوا (أغلب المجاهدين في تلك الكتيبة، وكثيرٌ من غيرها) في تلك الفترة وفي ذلك المركز وغيره يتيمّمون مع وجود الماء ومع موفور الصحة والعافية، الماء أمامهم يسيل نهرًا، فلا يغتسلون من جنابة ولا يتوضؤون لصلاة، من أجلِ فتوى انتشرت بينهم تقول بجواز التيمم لواجد الماء القادر على استعماله ما دام مسافرًا، أي وهم مسافرون يقصرون الصلاة فلا يحتاجون إلى سبب آخر غير السفر لإباحة التيمم.

وقد بذل بعض طلبة العلم جزاهم الله خيرا جهدًا في بيان هذا الخطأ والتحذير منه، حتى زال شيئا فشيئًا، وإنما تمسّك به معظم من آل به الخيار إلى البقاء مع الجيا، وانتهى معهم، والحمد لله.

وهذا كما انتشرت بينهم فتوى بعدم صوم رمضان لا أداءً ولا قضاء حتى تقوم الخلافة .. !

(1) صحيح مسلم (2670) وزاد: «قالها ثلاثًا» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت