فهرس الكتاب

الصفحة 305 من 1908

ويستسلم ويهين نفسه.!

أدلة الشريعة الدالة على ذلك كثيرة لا تحصى .. فإن المسلم مأمور بجهادهم وقتالهم وقتلهم وتدميرهم وتشريدهم، قد سلّطه الله عليهم شرعًا، وأمره بأن يتبرّأ منهم وينافرهم ولا يجامعهم لا يواليهم ولا يوادهم، بل يكفر بهم، وأمره بأن يكون هو الأعلى بدينه وإيمانه وما معه من الهدى والنور، وألا يجعل للكافرين عليه سبيلا، ولا يهين نفسه ولا يرضى بالذل، بل يكون عزيزًا كريما قويًّا أبيًّا .. ! فلا يجوز له في حال الاختيار ولمجرد طلب الراحة، ولمجرد أن يصيبه شيء معتادٌ مثله من المشقة والتعب والآلام أن يسلّم نفسه لعدوّه يهينه ويُجري عليه حكمه الجاهليّ .. هذا لا يجوز قطعًا، ولا يقول بجوازه أحدٌ يعرف دين الله وشرعه.!!

ثم إن هذا المسلم بعد أن يكون قد تمسّك بذلك الأصل المشار إليه وسعى في البراءة من عدو الله ومجاهدته كما أمر الله، أقول: بعد ذلك لو عجز وأدرك أنه مغلوب وأنه لا فائدة من القتال -بمعنى أنه لا فرصة له في الغلبة على العدوّ أو النجاة منه، وأنه مأخوذ مأخوذ- فإنه في هذه الحالة قد خفف الله - عز وجل - برحمته ولطفه عليه ورخّص له في الاستئسار والاستسلام، فهذه حالة عجز ومغلوبيّة تشبه الإكراه إذن، داخلة تحت قوله تعالى: {إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} [آل عمران: 28] وقوله: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل: 106] وما في معناهما من الآيات والأحاديث ..

فهذا جائز له، تخفيفا من الله ورحمة ولطفًا، ولكن حتى في هذه الحالة، الأفضلُ المختارُ هو الصبرُ والثبات حتى القتل، وعدم الاستئسار والاستسلام. فهذا أفضل لمن قدر عليه وصبر.! وهو العزيمة ..

ومن الدلائل الخاصة لهذه المسألة قصة «عاصم بن ثابت» وصحبه العشرة - رحمهم الله - ورضي عنهم، كما ثبتت في الصحيحين وغيرهما، وبوّب البخاري - رحمه الله - عليه بقوله: «بابٌ هل يستأسر الرجل؟ ومَن لم يستأسر، ومَن صلّى ركعتين عند القتل» (1) ؛ ففي هذه القصة أن بعض الصحابة أخذ بالعزيمة ولم ينزل على حكم الكافر ولم يستأسر، بل قاتل حتى قتل، ومنهم من أخذ بالرخصة فاستأسر ونزل على حكم

(1) وردت القصة عنده تحت رقم (3045) ، من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - وفيه أن رهطا حاصروا سرية عاصم بن ثابت - رضي الله عنه - وطلبوا منه النزول على حكمهم وعاهدوهم أن لا يقتلوهم، فقال عاصم أمير السرية: «أما أنا فوالله لا أنزل اليوم في ذمة كافر، اللهم أخبر عنا نبيك» ؛ فرموهم بالنبل فقتلوا عاصما وسبعة معه، ونزل إليهم ثلاثة على عهدهم، منهم خبيب بن عدي، وابن الدثنة، ورجل .. فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فأوثقوهم .. فقال هذا الرجل: «هذا أول الغدر، والله لا أصحبكم إن لي في هؤلاء لأسوة» يعني عاصما وأصحابه القتلى؛ فجروه وعالجوه على أن يصحبهم فأبى فقتلوه، وأخذوا صحابيه فباعوهما في أسواق مكة، حتى قتلت قريش خبيب ابن عدي أخيرا، وقال أبياته المشهورة: ولست أبالي حين أقتل مسلما .. الخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت