فالدليل هو الكتاب والسنة وما في معناهما .. وكذلك فإن الشيخ - رحمه الله - ذكر في مواضع مِن بين ما ذكر من أصناف عسكرهم: الفقهاء والعبادة والفقراء (المتصوّفة) وغيرهم وغيرهم.
وتلاحظ في كل كلامه عدم تكفير هذه الأصناف لمجرد انتسابهم لعسكر التتار، ولكن يجعل ذلك على التفصيل الذي ذكره في محله، والله أعلم، ومع ذلك فإنه يذكرهم بلفظ «المسلمين» ؛ كقوله: «وَكَذَلِكَ وَزِيرُهُمْ السَّفِيهُ الْمُلَقَّبُ بِالرَّشيدِ؛ يَحْكُمُ عَلَى هَذِهِ الْأَصْنَافِ [يعني الأصناف الأربعة التي ذكر أنهم يقسمون الناس عليها] وَيُقَدِّمُ شرارَ الْمُسْلِمِين؛ كَالرَّافِضَةِ وَالْمَلَاحِدَةِ عَلَى خِيَارِ الْمُسْلِمِين أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ، حَتَّى تَوَلَّى قَضَاءَ الْقُضَاةِ مَنْ كَانَ أَقْرَبَ إلَى الزَّنْدَقَةِ وَالْإِلْحَادِ وَالْكُفْرِ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ بِحَيْثُ تَكُونُ مُوَافَقَتُهُ لِلْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِين مِنْ الْيَهُودِ وَالْقَرَامِطَةِ وَالْمَلَاحِدَةِ وَالرَّافِضَةِ عَلَى مَا يُرِيدُونَهُ أَعْظَمَ مِنْ غَيْرِهِ، وَيَتَظَاهَرُ مِنْ شريعَةِ الْإسلام بِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ لِأَجْلِ مَنْ هُنَاكَ مِنْ الْمُسْلِمِين» (1) اهـ.
وكقوله: «فَمَنْ دَخَلَ فِي طَاعَتِهِمْ جَعَلُوهُ وَلِيًّا لَهُمْ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا، وَمَنْ خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ جَعَلُوهُ عَدُوًّا لَهُمْ وَإِنْ كَانَ مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِين، وَلَا يُقَاتِلُونَ عَلَى الْإسلام، وَلَا يَضَعُونَ الْجِزْيَةَ وَالصَّغَارَ، بَلْ غَايَةُ كَثِيرٍ مِنْ الْمُسْلِمِين مِنْهُمْ مَنْ أَكَابِرِ أُمَرَائِهِمْ وَوُزَرَائِهِمْ أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُ عِنْدَهُمْ كَمَنْ يُعَظِّمُونَهُ مِنْ الْمُشركِين مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى» (2) اهـ.
فهذا تجده في كلام الشيخ - رحمه الله - كثيرا، ولا بد أن يفهم مراده بلفظ «مسلم» و «مسلمين» في كل موضع على حسب ما يعطيه السياق، لأنه يحتمل أحيانا أنه عبّر به باعتبار ما كانَ، أو باعتبار دعواهم، كما يحتمل أحيانا أنه جارٍ على الظاهر من اعتبارهم مسلمين حتى يتبين كفرُ الواحد منهم .. والله أعلم.
وقال في موضع آخر: «فهؤلاء القوم المسؤول عنهم عسكرهم مشتمل على قوم كفار من النصارى والمشركين، وعلى قوم منتسبين إلى الإسلام -وهم جمهور العسكر- ينطقون بالشهادتين إذا طلبت منهم، ويعظمون الرسول، وليس فيهم من يصلي إلا قليل جدًا، وصوم رمضان أكثر فيهم من الصلاة، والمسلم عندهم أعظم من غيره، وللصالحين من المسلمين عندهم قدر، وعندهم من الإسلام بعضه، وهم متفاوتون فيه .. » (3) اهـ.
وقال في موضع آخر: «وأيضًا لا يقاتل معهم غيرَ مكره إلا فاسق، أو مبتدع، أو زنديق، كالملاحدة
(1) مجموع الفتاوى (28/ 525، 526) .
(2) مجموع الفتاوى (28/ 520، 521) .
(3) مجموع الفتاوى (28/ 504، 505) .