القرامطة الباطنية، وكالرافضة السبابة، وكالجهمية المعطلة من النفاة الحلولية .. » (1) اهـ
وقد ذكر عنه ابن كثير - رحمه الله - في البداية والنهاية أنه كان يطوف على عسكر المسلمين ويشجّعهم ويزيل عنهم الشبهة في قتال هؤلاء بقوله: «لو رأيتموني في صفهم وعلى رأسي المصحف فاقتلوني» (2) اهـ.
وهذا كالصريح في عدم التكفير بمجرد الكون في صفهم، وحرصه - رحمه الله - على الابتعاد عن الحكم بالكفر إلا حين يتبين جدًا ويسطع برهانُه باهرًا، والاحتياط في ذلك، والتركيز على الحكم البين الواضح وهو: مشروعية بل وجوب قتال هؤلاء وقتلهم.
ومع كل ذلك فإن المتحصل من كلامه أنه يجعل قتالهم من باب قتال الممتنعين عن شرائع الإسلام (قتال الطائفة الممتنعة) وهو أشبه بقتال المرتدين الذين قاتلهم الصديق والصحابة رضوان الله عليهم.
وأما اعتبار بعض الفقهاء قتال هؤلاء من جنس قتال البغاة؛ فإن الشيخ قد سفه هذا القولَ جدًا بأصرح وأقسى عبارة .. فهذا ذكرته هنا للاستئناس والفائدة، والحمد لله على توفيقه.
تنبيه: يكثر من شبابنا ويقع من بعض الشيوخ أيضا الاستدلال على كفر كل منتمٍ إلى جيوش هذه الدولة المرتدة، بأنهم لم يكفروا بالطاغوت، والكفرُ بالطاغوت شرط الإسلام وركنه، ومَن لم يكفر بالطاغوت فلا شك في كفره، وهذا الاستدلال غير صحيح .. ! وعلينا أو نبين ذلك ونوضحه .. ولا ينبغي لعالم فقيه أن يكفّر الناس بمثل أجناس هذه الأدلة العامة.
وبيانه كالآتي: كون الكفر بالطاغوت شرط الإسلام وركنه وأن من لم يكفر الطاغوت فهو كافر، هذا حق بلا شك، كما قال تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256) } [البقرة] وقال: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] ، وقال: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ} [النساء: 60] وغيرها من الآيات، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (من قال لا إله إلا الله [وفي لفظ: من وحَّد الله] وكفر بما يُعبَد من دون الله حرُم ماله ودمه وحسابه على الله) (3) وغيره من الأحاديث في معناه كثير.
ولا شك أن الكفر بالطاغوت هو معنى النفي في قولنا: «لا إله إلا الله» ، فهذه الكلمة الطيبة، كلمة
(1) مجموع الفتاوى (28/ 552) .
(2) البداية والنهاية (18/ 24) بمعناه.
(3) كلاهما في: صحيح مسلم (23) كل بإسناد مختلف.