نسأل الله لنا ولكم الهداية بكل معانيها؛ فإذا تمهّد لنا هذا الأصل العظيم أيها الأحباب، فأقول:
لا شكّ أن الطريق الوحيد لإعادة حكم الله في الأرض وإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة هو القيام بهذا الدين كما أمر الله - عز وجل - في الكتاب والسنة؛ التزامًا في النفس وفي ما وليَ الإنسانُ، ودعوةً وجهادًا، وصبرًا على ذلك، وعلى الأذى فيه، ومجانبة كل المبطلات المفسِدات الموبقات، المجمَلة في ما نهى الله عنه ورسولُه - صلى الله عليه وسلم - .. هذا على الإجمال لا شك ولا ريبَ فيه، وهو ما يجب على كل مسلم أن يؤمن به، ويعمل به وله بقدر المستطاع.
وأما التفاصيل، وبيان ما يجب من العمل والاختيارات السياسية والوسائل والأسباب في كل موطنٍ وكل حالٍ وزمان .. فإن هذا يحتاج إلى نظر مستقلٍ في كل حالةٍ، وبحث ما يجب فيها وما يصلح لها؛ فلينظر الإخوة في «المغرب» في حالهم وواقعهم، وهل يناسبه الآن العمل العسكري الجهادي، وما يتطلبه ذلك من تهيؤٍ وتجهيز، وتوفر الظرف المناسب سياسيا واجتماعيا، ومواتاة الفرصة وهبوب رياح للتغيير، وغير ذلك .. فإن وجد هذا وقدروا عليه، فهو واجب عليهم القيام به، وإذا رأوا أنهم ما زالوا ضعفاء أقرب إلى العجز، فلينتقلوا إلى ما يقدرون عليه من تحصيل أسبابه والاِستعداد له، وهو الإعداد بكل معانيه العلمية والعملية والدعوية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها، وليكن مقصودهم الوصول إلى مرحلة القدرة على الجهاد وتغيير هذا النظام الكافر وإقامة حكم الله مكانه، وفي هذه الحالة يركزون على الدعوة اللسانية بكل وسائلها وطرقها المشروعة، وإعداد الجيل الذي يكون بإذن الله قادرا على حمل الراية، واكتساب وتأليف الشعب الذي يكون مستعدًا لاحتضان الحركة الجهادية المقبلة.
وليعلموا أن الدعوة والجهاد أخوَان توأمان يسيران معًا، ولا ينفصلان، والدعوة والجهاد بينهما عموم وخصوص من وجه؛ فالدعوة جهادٌ، والجهاد دعوة إلى الله، ولعله رأس الدعوة وأعلى درجاتها .. وإنما الكلام في ما هو واجب الوقت في كل زمان وفي كل مكان .. فهذا ينظر فيه أهل العلم والرأي وقيادات المسلمين الأمناء في كل حالة؛ فيقدمون مرة هذا ويركزون عليه ويؤخرون الآخر .. ويعكسون في مرة أخرى، كل ذلك بحسب النظر للإسلام والمسلمين (أي لمصلحة الإسلام والمسلمين) ، وعلى مقتضى أصول العلم والفقه الصحيح، بتجرد وإخلاص وتقوى لله تعالى.
فإذا فعلوا ذلك فإن الله تعالى يوفقهم لا محالة، ويهديهم ويسددهم .. وليجعلوا الأمر شورى بينهم في كل ذلك .. كما قال الله تعالى في وصف المؤمنين: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38] .
والذي يبدو لي والله أعلم من واقع بلاد المغرب الأقصى أن الأفضل للإخوة الآن أن يركزوا على الدعوة إلى الله تعالى ما أمكن وما أتيحت لهم الفرصة في ذلك، ويشتغلوا بالإعداد بكل معانيه كما قلنا،