وتنبيها على التحرّي فيهم حيث اقتضى الحالُ التحرّي.
وقال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81) } [آل عمران] ، ولا يقال إن هذه الآيات -وأشباهها في كتاب الله- المراد بها أهل الكتاب من اليهود والنصارى؛ فإن هذا تقليل لفائدتها أو تعطيلٌ لها، ولأن الخطاب للذين آمنوا كما هو نصّ صدر الآية الأولى، فالمقصود أن يعرفوا أن بعض أهل العلم والعبادة فاسدون يبيعون دينهم بالدنيا، فيحذروهم، فإن الله لم يخاطبنا بذلك لمجرد أن نعرف أن علماء اليهود وعباد النصارى يفعلون ذلك، مجرد معرفة تاريخية لا ينبني عليها عملٌ، هذا لا يقوله أحدٌ من أهل العلم، بل قصّ علينا قصصهم لنعتبر ونتعظ، فنجتنب ما ارتكبوه من المعاصي والآثام وما عابه الله عليهم وذمهم بسببه، كما قال تعالى: {فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) } [الأعراف] ، ولهذا أنكر حذيفة - رضي الله عنه - عمّن قال في آيات المائدة: إن قوله تعالى: {فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} و {الظَّالِمُونَ} و {الْفَاسِقُونَ} ، في أهل الكتاب، وقال: «نعم الإخوة لكم بنو إسرائيل؛ إن كانت لكم كل حلوة ولهم كل مُرّة» رواه ابن جرير عنه بإسناد صحيح (1) .
ولأن علماء الإسلام هم أولى مَن يدخل في قوله {أُوتُوا الْكِتَابَ} فإنهم أوتوا أعظم كتاب؛ قال ابن كثير - رحمه الله - عند قوله تعالى: {إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ} الآية .. «قال السدي: «الأحبار من اليهود والرهبان من النصارى» ، وهو كما قال؛ فإن الأحبار هم علماء اليهود كما قال تعالى: {لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ} [المائدة: 63] والرهبان عباد النصارى، والقسيسون علماؤهم كما قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا} [المائدة: 82] والمقصودُ: التحذير من علماء السوء وعباد الضلال، كما قال سفيان بن عيينة: «مَن فسد من علمائنا كان فيه شبه من اليهود، ومَن فسد من عبادنا كان فيه شبه من النصارى» (2) ، وفي الحديث الصحيح: (لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة) قالوا: اليهود والنصارى قال: (فمن؟) وفي رواية: (فارس والروم؟) وفي
(1) جامع البيان للطبري (10/ 348) ، وقال محققه أحمد شاكر: «رواه الحاكم في المستدرك، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي» ، وللأثر تتمة: «كلا، والذي نفسي بيده، حتى تحذوا السنة بالسنة حذو القذة بالقذة» .
(2) لم أقف عليه مسندا، لكن استدل به كثيرا شيخ الإسلام ابن تيمية، كما في: الفتاوى الكبرى (2/ 142) ، قاعدة جليلة (ص 82) .