رواية: (فمن الناس إلا هؤلاء) (1) ، والحاصل التحذير من التشبه بهم في أقوالهم وأحوالهم ولهذا قال تعالى: {لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} وذلك أنهم يأكلون الدنيا بالدين ومناصبهم ورياستهم في الناس يأكلون أموالهم بذلك، كما كان لأحبار اليهود على أهل الجاهلية شرفٌ، ولهم عندهم خرج وهدايا وضرائب تجيءُ إليهم، فلما بعث الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - استمروا على ضلالهم وكفرهم وعنادهم طمعا منهم أن تبقى لهم تلك الرياسات؛ فأطفأها الله بنور النبوة وسلبهم إياها وعوضهم الذل والصغار وباءوا بغضب من الله تعالى، وقوله تعالى: {وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} أي وهم مع أكلهم الحرام يصدون الناسَ عن اتباع الحق ويلبسون الحق بالباطل، ويظهرون لمن اتبعهم من الجهلة أنهم يدعون إلى الخير، وليسوا كما يزعمون، بل هم دعاة إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون، وقوله: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ} الآية .. هؤلاء هم القسم الثالث من رؤوس الناس، فإن الناس عالة على العلماء وعلى العباد وعلى أرباب الأموال، فإذا فسدت أحوالُ هؤلاء فسدت أحوال الناس، كما قال ابن المبارك:
وهل أفسد الدين إلا الملوكُ ... وأحبارُ سوء ورهبانها؟» اهـ (2) .
وقال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) } [الأعراف] ؛ فالله تعالى أمر نبيّه - صلى الله عليه وسلم - أن يتلو علينا نبأ هذا الرجل مِن بني إسرائيل الذي آتاه الله آياته وعلمه العلم حتى ورد أنه كان يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دعِيَ به أجاب وإذا سئل به أعطى، وهيأه الله للرفعة والشرف بهذا العلم، لكنه لم يشكر نعمة الله ولم يؤد حق العلم ولم يقم بما أمره الله به، بل انسلخ من رداء العلم، واختار الخلود إلى الأرض والانحطاط والسفول واتبع هواه وجرى وراء شهواته وسلك سبيل الغواية، فأغضب الله تعالى عليه وأسخطه، واستحق عذابه الأليم، وأخزاه الله في الدنيا والآخرة، وجعله الله تعالى عبرة للناس إلى يوم القيامة.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (إن الله لا ينزع العلم بعد أن أعطاهموه انتزاعا، ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم، فيبقى ناس جهال يستفتون فيفتون
(1) ينظر: صحيح البخاري (3456، 7320) ، صحيح مسلم (2669) ، مسند أحمد (8433) .
(2) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (4/ 137، 138) .