فهرس الكتاب

الصفحة 374 من 1908

الموجود الآن من الحكام في الواقع فهو من النوع الذي ذكرناه، إما في نفس الأمر، أو بحسب ما يعرف أكثرُ الناس.

ثم هم (الحكام) درجات في وضوح كفرهم وصراحته واستبانته وقوة حكمنا به .. ومَن يجعلهم في درجة واحدة ولا يفرّق، فإنه يكابر ويخالف بدهيّات العلم.!

ولهذا فأنا عن نفسي قد أطلقت القول مرارًا بأن مَن كان من أهل ليبيا ويعيش فيها، وبالتالي فهو يعرف القذافي جيدا، ولا يخفى عليه حاله، وكان من أهل العلم، ولا سيما ممن فتح الله عليه بمعرفة فقه الكتاب والسنة والهداية لطريق السلف، ثم لا يكفر القذافي بل يقول إنه حاكم مسلم وليّ أمرٍ شرعيّ تجب طاعته ويحرُم الخروج عليه، فإن هذا القائل عندي كافر خارج من ملة الإسلام، ولا كرامة، والعياذ بالله.! ويكفيني من القدوة والسلف في هذه المسألة فتاوى علمائنا وأئمتنا في خطباء بني عبيد الفاطميين (1) .

وذلك لقوة ظهور كفر القذافي عندنا، وانعدام العذر لمَن لم يكفره ممن يعيش في بلده ويعرفه ويعرف حاله جيدًا، ويعرُف مع ذلك العلمَ والفقه وليس بجاهلٍ ..

ولهذا لا نكفر عوامَّ الناس لعدم تكفيرهم للقذافي، أما من كان يعرف حاله جيدًا وكان ممن عرفَ العلمَ والفقه، ثم لا يكفره، فهذا أحكمُ بكفره.

وإنما ذكرت هذا على نحو المثال، حتى تتضح به المسألة.

ولمزيد الاتضاح قارن بين القذافي مثلا، وبين حاكم بلد آخر مغمورٍ ممن نحكم بكفرهم.

فالحاصل أنه لا بد من التفصيل في هؤلاء الشيوخ الذين لا يكفرون هؤلاء الحكام ويعتقدون أنهم أولياء أمور شرعيون للمسلمين، ويحرّمون الخروج على طاعتهم وسلطانهم، ويفتون لهم ويعينونهم ويوالونهم.

(1) ذكر القاضي عياض أن ابن عذرة «سُئِل عن خطباء بني عبيد. وقيل له: إنهم يثنون عليهم. قال: أليس يقولون: اللهم صلِّ على عبدك الحاكم، وورّثه الأرض؟ قالوا: نعم. قال أرأيتم لو أن خطيبًا خطب فأثنى على الله تعالى ورسوله، فأحسن الثناء، ثم قال: أبو جهل في الجنة، أيكون كافرًا؟ قالوا: نعم. قال: فالحاكم أشر من أبي جهل. وسئل الداودي عن المسألة فقال: خطيبهم الذي يخطب لهم، يدعو يوم الجمعة. كافر يقتل. ولا يستتاب، وتحرم عليه زوجته، ولا يرث ولا يورث ماله في المسلمين. وتعتق أمهات أولاده، ويكون مدبروه للمسلمين. يعتق أثلاثهم، بموته، لأنه لم يبق له مال. ويؤدى مكاتبوه للمسلمين ويعتقون بالأداء، ويرجعون بالعجز، وأحكامه كلها، أحكام الكفر. فإن تاب قبل أن ظهر الندم، ولم يكن أخذ دعوة القوم، قبلت توبته. ومن صلى وراءه، خوفًا، أعاد ظهرًا أربعًا. ثم لا يقيم إذا أمكنه الخروج، ولا عذر له بكثرة عيال ولا غيره» انظر: ترتيب المدارك وتقريب المسالك (7/ 275) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت