فهرس الكتاب

الصفحة 377 من 1908

حكمنا عليه بالكفر، فنظرنا لماذا لم يكفره؟ ونظرنا هل يسع الخلاف في تكفير مثل هذا الحاكم؟ أو هو من الأمور المجمع عليها إجماعا قطعيا، والمعلومة بالضرورة من الدين فلا يسع فيها خلاف؟ أو غير ذلك .. فحكمنا على هذا الصنف الثاني وتفاصيله بما أدانا إليه الاجتهاد بحسب النظر في الأدلة. والله الموفق.

وقولك: «مع العلم أني على رأي مَن قال إن العلماء «منافقون نفاق عمل» وليسوا كافرين، ولا أظن أحدًا قد قال غير هذا».

أقول: بل قد يكون الحكم غير هذا، وأعني بذلك الكفر، كما قد مرّ مثاله في مسألة القذافي، وقولك: «إنهم منافقون نفاق عمل» .. فهذا أيضًا ليس يعمّ الجميع، بل فيهم المخطئ المعذور، كما أن فيهم الفاسق الفاجر، وفيهم الكافر، كما تقدّم توضيحه.

والقسمان الأخيران -الفاسق والكافر- يجوز إطلاق لفظ النفاق عليهما، فإن لفظ النفاق أوسع من الكفر وأسهل، لما تقرر مِن أن من ظهرت عليه بعض صفات المنافقين، فضلا عما هو كفرٌ، جازَ إطلاق لفظ النفاق عليه، وأحيانا يكون هذا هو المناسب هروبًا من الجزم في موضع الإشكال والتردد، وهذا من الفقه المهم؛ فليتنبّه له.

وأدلة ذلك كثيرة معروفة؛ فإن آيات المنافق -أي علاماته- قد بينها لنا النبي - صلى الله عليه وسلم - في الأحاديث النبوية الصحيحة المعروفة، وبين القرآن الكريم صفاتِ المنافقين تبيينا كاملا ما ترك شيئًا منها إلا كشفه، ولا سيما في «سورة التوبة» ، «المقشقشة» ، «البَحوث» ، «الفاضحة» (1) ، فمن ظهرت عليه تلك العلامات بوضوح وجلاء أو كثرتْ واجتمع، فأطلق عليه أحدٌ وصف النفاق غيرة على الدين وحمية له، فقد أصاب، وقد وقع من الصحابة - رضي الله عنهم - وصف مَن ظهرت عليه بعض علامات النفاق أو رأوا -مجتهدين- أنه قد نافقَ، بأنه منافق، في حضرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي عهده ..

منها قول عمر لحاطبٍ - رضي الله عنهما: «دعني يا رسول الله أضرب عنقه فإنه منافق» (2) .

ومنها قول أسيد بن حضير لسعد بن عبادة: «ولكنك منافق تجادل عن المنافقين» (3) ، ومنها قول معاذ بن جبل عن الرجل الذي خرج من صلاته معه: «إنه منافق» (4) ، وغيرها كثير ..

(1) انظر في تفسير هذه السورة: في ظلال سورة التوبة؛ للشيخ: عبد الله عزام - رحمه الله -، وقد ذكر هذه الأسماء وغيرها في تفسيره المطول.

(2) الأدب المفرد (438) وصححه الألباني في «صحيح الأدب المفرد» .

(3) ينظر: تاريخ المدينة لابن شبة (ص 328) ، تاريخ الطبري (2/ 614) ، البداية والنهاية (6/ 197) .

(4) جامع البيان للطبري (16911، 16912) وقال أحمد شاكر: «صحيح الإسناد» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت