وهذه الأحاديث فيها فائدتان:
الفائدة الأولى: أن قائلي ذلك في كل هذه الأمثلة كانوا مخطئين، لكنهم عُذروا للتأول والاجتهاد، ولأن دافعهم كان هو الغيرة على الدين والحمية له.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن ذكر حديث: (لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض) (1) وحديث: (إذا قال المسلم لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما) (2) قال: «وهذه الأحاديث كلها في الصحاح، وإذا كان المسلم متأولًا في القتال أو التكفير لم يكفر بذلك، كما قال عمر بن الخطاب لحاطب بن أبي بلتعة: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق، ولم يكفر النبي - صلى الله عليه وسلم - لا هذا ولا هذا، بل شهد للجميع بالجنة .. » (3) اهـ. وقال ابن القيم - رحمه الله -، في «زاد المعاد، فصل في الإشارة إلى ما في فتح مكة من الفقه» : «وفيها أن الرجل إذا نسب المسلم إلى النفاق والكفر متأولًا وغضبًا لله ورسوله ودينه لا لهواه وحظه، فإنه لا يكفر بذلك، بل لا يأثم به، بل يثاب على نيته وقصده، وهذا بخلاف أهل الأهواء والبدع، فإنهم يُكفرون ويبدعون لمخالفة أهوائهم وبدعهم ونحلهم، وهم أولى بذلك ممن كفروه وبدعوه» (4) اهـ. وقال الحافظ في «الفتح، في كتاب الصلاة» (5) في فوائد الحديث الذي فيه قول القائل عن مالك بن الدخشن: «إنه منافق يجادل عن المنافقين» (6) : «وإن من نسب من يظهر الإسلام إلى النفاق ونحوه بقرينة تقوم عنده، لا يكفر بذلك ولا يفسق بل يعذر بالتأويل» اهـ. مستفاد من «الثلاثينية» (7) للشيخ «أبي محمد المقدسي» فرج الله عنه.
الفائدة الثانية: أن إطلاق النفاق أخف وأولى في مثل هذه الحالات من إطلاق الكفر؛ وهذا لعله واضح من كثرة أمثلته بخلاف لفظ الكفر، فإنه قليل، وقد ورد في بعض روايات «قصة حاطب» - رضي الله عنه - أن عمر - رضي الله عنه - قال: « .. فقد كفر» ، لكن الأكثر في روايات هذا الحديث هو إطلاق النفاق، ولعله هو
(1) صحيح البخاري (7077) ، صحيح مسلم (65) .
(2) بنحوه في: صحيح البخاري (6104) ، صحيح مسلم (60) ، وورد هذا اللفظ في: المعجم الأوسط (4570) ، وصححه -بهذا اللفظ- الألباني في: تحقيق الإيمان (ص 113) .
(3) مجموع الفتاوى (3/ 284) . [المؤلف]
(4) (3/ 423) . [المؤلف]
(5) (1/ 523) . [المؤلف]
(6) صحيح البخاري (5401، 6938) ، صحيح مسلم (33) .
(7) الرسالة الثلاثينية في التحذير من الغلو في التكفير (ص 29) .