المحفوظ والله أعلم، ولأن لفظ النفاق أوسع؛ فإنه يصدق على النفاق الأصغر (وقد يسمى العمليّ) ويصدق على النفاق الأكبر وهو نفاق الاعتقاد، الذي هو إظهار الإسلام وإبطان الكفر، والعياذ بالله .. اللهم إنا نعوذ بك من الكذب والرياء والنفاق والشقاق وسيئ الأخلاق، يا رب العالمين .. آمين.
جاء في «الدرر السنية» ، في أثناء كلام للشيخ سليمان بن الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، أي ابن عبد الوهاب - رحمهم الله: «المسألة الخامسة: هل يقال لمن أظهر علامات النفاق ممن يدعي الإسلام أنه منافق، أم لا؟ الجواب: أنه من ظهرت منه علامات النفاق الدالة عليه، كارتداده عند التحزيب على المؤمنين، وخذلانهم عند اجتماع العدو، كالذين قالوا: {لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ} [آل عمران: 167] ، وكونه إذا غلب المشركون التجأ معهم، وإن غلب المسلمون التجأ إليهم، ومدحه للمشركين بعض الأحيان، وموالاتهم من دون المؤمنين، وأشباه هذه العلامات التي ذكر الله أنها علامات للنفاق، وصفات للمنافقين، فإنه يجوز إطلاق النفاق عليه، وتسميته منافقًا.
وقد كان الصحابة - رضي الله عنهم -، يفعلون ذلك كثيرًا؛ كما قال حذيفة - رضي الله عنه: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيكون بها منافقًا» (1) ، وكما قال عوف بن مالك - رضي الله عنه - لذلك المتكلم بذلك الكلام القبيح: «كذبت، ولكنك منافق» (2) ، وكذلك قال عمر في قصة حاطب - رضي الله عنهما: «يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق» (3) ، وفي رواية: «دعني أضرب عنقه فإنه منافق» (4) وأشباه ذلك كثير، وكذلك قال أسيد بن حضير لسعد بن عبادة لما قال ذلك الكلام: «كذبت ولكنك منافق؛ تجادل عن المنافقين» (5) .
ولكن ينبغي أن يعرف: أنه لا تلازم بين إطلاق النفاق عليه ظاهرًا، وبين كونه منافقًا باطنًا؛ فإذا فعل علامات النفاق، جاز تسميته منافقًا لمن أراد أن يسميه بذلك، وإن لم يكن منافقًا في نفس الأمر، لأن بعض هذه الأمور قد يفعلها الإنسان مخطئًا لا علم عنده، أو لقصد يخرج به عن كونه منافقًا، فمن أطلق عليه النفاق لم ينكر عليه، كما لم ينكر النبي - صلى الله عليه وسلم - على أسيد بن حضير تسميته سعدًا منافقًا، مع أنه
(1) مسند أحمد (23278) وقال الأرنؤوط: «أثر حسن» ، مصنف ابن أبي شيبة (37221) .
(2) جامع البيان للطبري (16911، 16912) وقال أحمد شاكر: «صحيح الإسناد» .
(3) صحيح البخاري (4905، 4907) ، صحيح مسلم (2584) .
(4) الأدب المفرد (438) وصححه الألباني في «صحيح الأدب المفرد» .
(5) ينظر: تاريخ المدينة لابن شبة (ص 328) ، تاريخ الطبري (2/ 614) ، البداية والنهاية (6/ 197) .