ضروريات الدين المجمع عليها التي يكفر مخالفها» هو معنى ما سبق توضيحه من أن تكفير هؤلاء الحكام الحاكمين لبلاد المسلمين اليوم هي مسألة فتوى وقضاء سبيلها الاستدلال، وقلنا إن هذا هو الأصل والأكثر الأعم، وأنه إذا وجِدت حالة يكون فيها كفر الحاكم مما يقال فيه إنه من المقطوع به المعلوم من الدين بالضرورة، ومما يُجمِع عليه الناس، فحينها نكفّر مَن لم يكفّره من «العلماء» وغيرهم، وقررتُ أعلاه أن هذه الصورة موجودة جزئيًا في حالة «القذافي» قاتله الله، فإن اتضاح كفره وكثرة أسبابه -المكفرات التي هو متلبس بها- وتكررها واستمرارها، هو بالنسبة لإنسان من أهل العلم يعيش في نفس البلد، هو من العلم الضروري، والله أعلم، وكذا لو وجِدت حالات يكون فيها كفر الحاكم أوضح وأظهر وأنفى لأي شبهة وعذر، كما مثلنا أعلاه بمن يصرح بالخروج والانتقال من ملة الإسلام ويسبها ويستهزئ بها وبالله تعالى ورسله علانية، وما شابه ذلك.
وقولي: «وما دامت مسألة تكفير أولئك الحكام مسألة اجتهادية وليست من ضروريات الدين المجمع عليها التي يكفر مخالفها» إنما كانت هذه المسألة كذلك لأنها مبنية على النظر من عدة جهات:
-من جهة ثبوت الأسباب المكفرة على الشخص المقصود في الواقع.
-من جهة أنها صريحة لا تحتمل.
-من جهة ثبوت كونها أسبابًا مكفرة شرعًا -ليست فسقا، أو كفرًا دون كفرٍ مثلا-.
-من جهة انتفاء العذر في حقهم -توفر الشروط وانتفاء الموانع-.
فكلما قويَتْ واتضحت واستبانت جدًا هذه الجهات في حق الشخص كان الحكم بكفره أوضح وكان المخالفُ فيه مستحقا للوم والمؤاخذة أكثر، إلى أن يصل مستوى الجزم بكفره -الحاكم- إلى مستوى العلم الضروري، فينال المخالفُ فيه أعلى درجات المؤاخذة وهي التكفير.! وكلما ضعفت جهات النظر تلك، كان لومنا للمخالف فيه بحسبها، والله أعلم.
وهذا الذي قلته في مسألة هؤلاء الشيوخ هو المترجّح من عدة وجوه:
أولها: الاحتياط للدين؛ فإن مسائل التكفير من أصعب المسائل التي يخشاها العلماء والأتقياء ويطلبون السلامة منها، لما ورد فيها في الشريعة من التحذير والتخويف، فالمبالغة في الاحتياط في هذا الباب ليس عيبا بل هو فضيلة، على أن ينضمّ إليه فضائل أخرى معه، مثل: فضيلة الشجاعة والقوة في الحق والصدع به متى ما ظهر وبان وسطع برهانه (عندنا فيه من الله برهان) (1) ، وفضيلة: اليقين
(1) صحيح البخاري (1709) .