فهذه مسألة من النوازل تكلم فيها أهل العلم المعاصرون (1) :
* فمِنَ العلماء مَن منع بالكلية وأمر بالصبر، وذلك خشية اندراج هذه الصورة في «التحاكم» إلى الطاغوت المنهي عنه، والمعدود -في ديننا- كفرًا.
* ومن العلماء مَنْ رخّص فيها للضرورة، لأن الناس محتاجون إلى المحافظة على أموالهم وأملاكهم وردّ المغصوب منها والمسروق، فلو منعناهم من ذلك لحصل ضرر عامٌ كبيرٌ لا يطيقه العامّة، والحاجيّات إذا عمّت بها البلوى (تعلقت بالجمهور أي أكثر الناس) فإنها تصير إلى درجة الضروريات، إذ يمكن منع فردٍ أو بعض أفراد وحمله على الصبر وعدم أخذ حقه مثلا، لكن لا يمكن ذلك لجمهور الناس، ولو فعلنا لحصل ضرر عظيم، مع ما ينضاف إليه من تسلّط الكفار على المسلمين حينما يرونهم لا يطالبون بحقوقهم، فيتضاعف الضرر.
وهذا متّجه، وحاصله تنزيل هذه الحالة منزلة الإكراه؛ فإن أخذ المال كله أو جزء كبير معتبر منه بحيث إن أخذه مجحِف بالإنسان إجحافًا بالغًا معدودٌ إكراهًا عند بعض أهل العلم، فالمال شقيق النفس، واحتج له بعض أهل العلم بقصة «الحجاج بن عِلاط» التي في «مسند الإمام أحمد» بطولها، ورواها النسائي وابن حبان والطبراني وغيرهم أنه استأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد أن أسلمَ أن يذهب إلى مكة كاتما إيمانه ويقول شيئًا، أي شيئا مما تستدعيه الضرورة لتخليص أمواله كأن ينال من النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، فأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - له (2) .
(1) انظر في حكم التحاكم إلى القوانين مكرها أو مضطرا: فتوى في التحاكم إلى القوانين الوضعية؛ للشيخ حمود العقلاء الشعيبي، حكم التحاكم لغير شرع الله مكرها أو مضطرا؛ للشيخ المقدسي، الثلاثينية (الفصل الثالث: أخطاء في التكفير، الخطأ 23، 24) ، مسألة التحاكم إلى الطاغوت؛ للطرطوسي، الجامع في طلب العلم؛ لسيد إمام، مع تعليق الشيخ المقدسي (ص 1136) وهو مهم ونفيس.
(2) قال الإمام أحمد في: مسنده (12409) : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ قَالَ: سَمِعْتُ ثَابِتًا، يُحَدِّثُ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - خَيْبَرَ قَالَ الْحَجَّاجُ بْنُ عِلَاطٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي بِمَكَّةَ مَالًا، وَإِنَّ لِي بِهَا أَهْلًا، وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ آتِيَهُمْ، فَأَنَا فِي حِلٍّ إِنْ أَنَا نِلْتُ مِنْكَ، أَوْ قُلْتُ شَيْئًا؟ فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يَقُولَ مَا شَاءَ، فَأَتَى امْرَأَتَهُ حِينَ قَدِمَ فَقَالَ: اجْمَعِي لِي مَا كَانَ عِنْدَكِ؛ فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَشْتَرِيَ مِنْ غَنَائِمِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وَأَصْحَابِهِ، فَإِنَّهُمْ قَدِ اسْتُبِيحُوا وَأُصِيبَتْ أَمْوَالُهُمْ، قَالَ: فَفَشَا ذَلِكَ بِمَكَّةَ؛ فانْقَمَعَ الْمُسْلِمُونَ، وَأَظْهَرَ الْمُشْرِكُونَ فَرَحًا وَسُرُورًا قَالَ: وَبَلَغَ الْخَبَرُ الْعَبَّاسَ فَعَقِرَ، وَجَعَلَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُومَ، قَالَ مَعْمَرٌ: فَأَخْبَرَنِي عُثْمَانُ الْجَزَرِيُّ، عَنْ مِقْسَمٍ قَالَ: فَأَخَذَ ابْنًا لَهُ يُقَالُ لَهُ: قُثَمُ، فَاسْتَلْقَى فَوَضَعَهُ عَلَى صَدْرِهِ وَهُوَ يَقُولُ:
حِبِّي قُثَمْ ... شَبِيهُ ذِي الْأَنْفِ الْأَشَم ...
نَبِيِّ ذِي النَّعَمْ ... بِرَغْمِ مَنْ رَغِمْ
قَالَ ثَابِتٌ: عَنْ أَنَسٍ: ثُمَّ أَرْسَلَ غُلَامًا إِلَى الْحَجَّاجِ بْنِ عِلَاطٍ، وَيْلَكَ مَا جِئْتَ بِهِ، وَمَاذَا تَقُولُ؟ فَمَا وَعَدَ اللهُ خَيْرٌ مِمَّا جِئْتَ بِهِ. قَالَ الْحَجَّاجُ بْنُ عِلَاطٍ لِغُلَامِهِ: اقْرَا عَلَى أَبِي الْفَضْلِ السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُ: فَلْيَخْلُ لِي فِي بَعْضِ بُيُوتِهِ لِآتِيَهُ، فَإِنَّ الْخَبَرَ عَلَى مَا يَسُرُّهُ، فَجَاءَ غُلَامُهُ فَلَمَّا بَلَغَ بَابَ الدَّارِ، قَالَ: أَبْشِرْ يَا أَبَا الْفَضْلِ. قَالَ: فَوَثَبَ الْعَبَّاسُ فَرَحًا حَتَّى قَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَأَخْبَرَهُ مَا قَالَ الْحَجَّاجُ، فَأَعْتَقَهُ، ثُمَّ جَاءَهُ الْحَجَّاجُ، فَأَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَدِ افْتَتَحَ خَيْبَرَ، وَغَنِمَ أَمْوَالَهُمْ، وَجَرَتْ سِهَامُ اللهِ - عز وجل - فِي أَمْوَالِهِمْ، وَاصْطَفَى رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ فَاتَّخَذَهَا لِنَفْسِهِ، وَخَيَّرَهَا أَنْ يُعْتِقَهَا وَتَكُونَ زَوْجَتَهُ، أَوْ تَلْحَقَ بِأَهْلِهَا، فَاخْتَارَتْ أَنْ يُعْتِقَهَا وَتَكُونَ زَوْجَتَهُ، وَلَكِنِّي جِئْتُ لِمَالٍ كَانَ لِي هَاهُنَا، أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَهُ فَأَذْهَبَ بِهِ، فَاسْتَاذَنْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -؛ فَأَذِنَ لِي أَنْ أَقُولَ مَا شِئْتُ؛ فَأَخْفِ عَنِّي ثَلَاثًا، ثُمَّ اذْكُرْ مَا بَدَا لَكَ قَالَ: فَجَمَعَتْ امْرَأَتُهُ مَا كَانَ عِنْدَهَا مِنْ حُلِيٍّ وَمَتَاعٍ، فَجَمَعَتْهُ فَدَفَعَتْهُ إِلَيْهِ، ثُمَّ انْشَمَرَ بِهِ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ثَلَاثٍ أَتَى الْعَبَّاسُ امْرَأَةَ الْحَجَّاجِ، فَقَالَ: مَا فَعَلَ زَوْجُكِ؟ فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، وَقَالَتْ: لَا يَحْزُنُكَ اللهُ يَا أَبَا الْفَضْلِ، لَقَدْ شَقَّ عَلَيْنَا الَّذِي بَلَغَكَ. قَالَ: أَجَلْ لَا يَحْزُنِّي اللهُ، وَلَمْ يَكُنْ بِحَمْدِ اللهِ إِلَّا مَا أَحْبَبْنَا: فَتَحَ اللهُ خَيْبَرَ عَلَى رَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم - وَجَرَتْ فِيهَا سِهَامُ اللهِ، وَاصْطَفَى رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ لِنَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَتْ لَكِ حَاجَةٌ فِي زَوْجِكِ فَالْحَقِي بِهِ، قَالَتْ: أَظُنُّكَ وَاللهِ صَادِقًا، قَالَ: فَإِنِّي صَادِقٌ، الْأَمْرُ عَلَى مَا أَخْبَرْتُكِ، فَذَهَبَ حَتَّى أَتَى مَجَالِسَ قُرَيْشٍ وَهُمْ يَقُولُونَ إِذَا مَرَّ بِهِمْ: لَا يُصِيبُكَ إِلَّا خَيْرٌ يَا أَبَا الْفَضْلِ، قَالَ لَهُمْ: لَمْ يُصِبْنِي إِلَّا خَيْرٌ بِحَمْدِ اللهِ، قَدْ أَخْبَرَنِي الْحَجَّاجُ بْنُ عِلَاطٍ، أَنَّ خَيْبَرَ قَدْ فَتَحَهَا اللهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَجَرَتْ فِيهَا سِهَامُ اللهِ، وَاصْطَفَى صَفِيَّةَ لِنَفْسِهِ، وَقَدْ سَأَلَنِي أَنْ أُخْفِيَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، وَإِنَّمَا جَاءَ لِيَاخُذَ مَالَهُ، وَمَا كَانَ لَهُ مِنْ شَيْءٍ هَاهُنَا، ثُمَّ يَذْهَبَ. قَالَ: فَرَدَّ اللهُ الْكَآبَةَ الَّتِي كَانَتْ بِالْمُسْلِمِينَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، وَخَرَجَ الْمُسْلِمُونَ، وَمَنْ كَانَ دَخَلَ بَيْتَهُ مُكْتَئِبًا حَتَّى أَتَوُا الْعَبَّاسَ، فَأَخْبَرَهُمُ الْخَبَرَ، فَسُرَّ الْمُسْلِمُونَ وَرَدَّ مَا كَانَ مِنْ كَآبَةٍ أَوْ غَيْظٍ، أَوْ حُزْنٍ عَلَى الْمُشْرِكِينَ. اهـ، قال الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين، وينظر: السنن الكبرى للنسائي (8592) ، صحيح ابن حبان (4530) ، المعجم الكبير للطبراني (3196) .