من مغربها في عمُر الدنيا (1) ، وما لم يغرر ابن آدم في عمُر ابن آدم (2) ..
بل نحن مأمورون بأن نفتح للناس أبواب التوبة والهداية والإنابة والرجوع إلى الحق، وما الدعوة إلى الله تعالى وما الجهاد في سبيل الله -في جزء كبير من أهدافه وغاياته- إلا لأجل ذلك.
فاحذر أيها الأخ الكريم بارك الله فيك من هذه الفكرة، التي هي شيء من اليأس من رَوْح الله والقنوط من رحمته - عز وجل -.! فاعتصم بالله واستعن به، ودعك من هذه الأوهام.!
وأما أن نقول للمجاهدين: لا يضركم مَن خالفكم ولا مَن خذلكم، فهذا حق كما وصفهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك في حديث الطائفة المنصورة الظاهرة على الحق، وهذا هو لفظ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - (لا يضرهم مَن خالفهم) (3) .
فعليك بألفاظ المصطفى - صلى الله عليه وسلم - وتفقه في معانيها، وأما لفظ «لا تعبأوا» فما معناه؟ النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (لا يضرهم من خالفهم) ولم يقل إنهم لا يعبأون بمن خالفهم، إذا أردنا التدقيق والتحقيق، اللهم إلا أن يقول قائل: أردتُ بقولي «لا يعبأون» نفس المعنى الذي أراده النبي بقوله -صلى الله عليه وسلم-لا يضرهم) فحينئذ نقول: عبّرتَ بلفظ مجملٍ وأردتَ معنى صحيحًا ..
فلفظ «لا يعبأ» فيه إجمال لاحتماله لأكثر من معنى: فهو يحتمل: لا يلتفت إليهم ولا يهتم بهم ولا يجعل لهم قيمة ولا يصنع بهم شيئًا، ويحتمل لا يبالي بشرهم فهو بمعنى لا يضرونه.
في مختار الصحاح: «والعِبْءُ بالكسر: الحِمل، وجمعه أعْباءٌ، وما عَبَأَ به: ما بالى به، وبابه قطع» (4) .
وفي القاموس (5) : «العِبْبُ بالكسر: الحملُ والثقل مِن أي شيء كان، والعِدْلُ والمثل، ويُفتَحُ .. وما أعبأ به: ما أصنَعُ، وبفلانٍ: ما أبالي» اهـ، وانظر «لسان العرب» مادة عبأ (6) ، وانظر «المفردات» للراغب أيضًا؛ قال: «ما عبأت به، أي: لم أبال به، وأصله من العبء، أي الثقل، كأنه قال: ما أرى له وزنا وقدرا» (7) اهـ، وفي القرآن: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ} [الفرقان: 77] ، وفي الحديث في المسند
(1) دلَّ على هذا حديث أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، تَابَ اللهُ عَلَيْهِ) رواه مسلم (2703) .
(2) دلَّ على هذا حديث ابن عمر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ) رواه الترمذي (3537) وحسنه الألباني.
(3) صحيح البخاري (7460) ، صحيح مسلم (1037) .
(4) مختار الصحاح (ص 198) .
(5) القاموس المحيط (ص 47) .
(6) لسان العرب (1/ 117) .
(7) المفردات (ص 544) .