وقوة الشخصية والشجاعة العلمية محمودة في الجملة بلا شك، ولكن لا شيء أحسن من اعتدال الأخلاق، وهو فضل الله يؤتيه مَن يشاء، والموفق هو مَن يوازن بين هذه الفضائل: بين شجاعته في الحق وقوة شخصيته وبين إعطاء المسائل قدرها من البحث والنظر، والمعرفة بقدرها وعمقها وخطرها وطول ساحلها، وبين فضيلة الاحتياط والورع .. والشجاعة كما عرّفها الحكماء هي: «الإقدام في محل الإقدام والإحجام في موطن الإحجام» .
والعالمُ الكبير المتبحّر في العلم تراه يتردد في مواضع لو عرضت على كثيرين من الطلبة الصغار لأسرع الفصل فيها!! ويخال الضعفاء ذلك ضعفا، وإنما هو دليل القوة ومحض الفضيلة، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، وهذا معروف مبسوط في كتب آداب العالم والمتعلم، والله هو وليّ التوفيق، والعاقبة للتقوى، فالله - عز وجل - هو الذي يضع القبول لمن يشاء من خلقه على وَفق الأسباب التي بينها الله في شرعه وخلاصتها التقوى والصلاح (مجموع العلم النافع والعمل الصالح) ، ولا يصح إلا الصحيح كما يقال، قال الله تعالى: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (17) } [الرعد] .
ولا شك أن الشيخ «عبد القادر» له حظ طيب من كل الفضائل المذكورة وغيرها، بارك الله فيه، لكن قد غلب عليه -في نظري- في بعض الأحيان الاندفاع وشيء من التفرّد من فرط قوة الشخصية والاعتداد بالنفس وما آتاه الله من المهارة والملكات البارعة؛ فتراه جزم في مواضع كان ينبغي فيها التردد والاحتراز أكثر، وأن يقول: يظهر لي كذا، ويُحتَمَل كذا، ولا يخرجها مخرج المسألة المقطوع بها، فيظن الجاهل الغرُّ أنها الحق المعلوم من دين الله الذي ليس وراءه إلا الضلال!! فيتربى الشباب على التشدد وتحصل مفاسد كثيرة، في حين أن الواجب هو تربية شبابنا ونشئنا على سعة الأفق وتحقيق الحق والعدل والإنصاف والتدقيق والورع والاحتياط، ونبذ العجلة والتسرع المذموم، ومعرفة كل إنسان بقدره، وتربيتهم على أدب العلم وأدب الخلاف وفقهه؛ فإننا في زمن فوضى وتقصير من العلماء على الجملة، فإذا مَنّ الله علينا برجلٍ مسدد موفق مجاهد شجاع، فإن كمال التوفيق والسداد أن يكون متزنا معتدلا مربّيًا الناس، ربّانيًّا، قال بعض السلف: «هو مَن يربّي الناس بصغار العلم قبل كباره» (1) .
فالعلم لا بد أن يكون مقرونًا بالتربية ملازمًا لها، تربية النفوس وتكميلها بالفضائل والأخلاق، فإذا وقع الانفصام بين هذين المقصدين وقع الخلل بقدره .. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
والحاصل أن النصيحة لشبابنا: ألا يستعجلوا في الجزم في سائر المسائل التي وقع فيها النزاع
(1) ذكره البخاري في: صحيحه، باب: العلم قبل القول والعلم، بعد حديث (67) .