فهرس الكتاب

الصفحة 477 من 1908

واختلفت فيها الاجتهادات، وأن يلازموا التثبّت والبحث، ويستعملوا الاحتياط في الدين بأن يتشبّثوا برؤوس المسائل المقررة المتفق عليها ويذروا ما كان غير ناضج وغير متقرر بعد، وما كان غريبًا، وفيه مجال للنظر، يذروه لأهل العلم يحررونه وينضجونه، ويكتفوا هم (الشباب) بالمعلوم المتقرر، كما إليه الإشارة في قوله تعالى في سورة النساء: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65) وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (68) } [النساء] ..

وأرى أن من مثاله ما قدمتُه مرارًا من النصح في مسألة جيوش وشرطة الحكومات المرتدة المعاصرة: النصح بالتمسّك بالثابت البين الواضح المتقرر اتفاقًا مِن وجوب جهاد هذه الحكومات المرتدة، أن حكمهم (جيوشهم وكل أعوانهم) في الحرب أن يُقاتَلوا قتال المرتدين، وأما الحكم على أعيانهم بالكفر فهذه مسألة شائكة محتملة محل نظر ولمّا تنضج بعدُ النضج الكامل المنتهي، وفيها صورٌ مختلفة في القوة والضعف، فعلى الإنسان أن يحتاط ولا يجزم في موضع الاحتمال، فإن هذا مزلة.!

وإذا عمِل الإنسان بما يعلم علّمه الله تعالى علمَ ما لم يكن يعلم، كما جاء ذلك في بعض الآثار، وكما تدل عليه آيات النساء المتقدمة، وكما أخذه بعض أهل العلم من نحو قوله تعالى: {إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} [الأنفال: 29] ، وقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (28) } [الحديد] .

ومن صفة الإنسان الموفق: أنه يعمل بما علّمه الله من الحلال البين، ويجتنب الحرام البين، ويجتهد في اجتناب ما اشتبه، وما كان غريبا من مسائل العلم تفرّد به بعض الناس، فلا يسارع في اقتناصه والفرح به مهما بدا جميلا مزينا بالاستدلالات؛ بل يزيد من قوة التثبّت فيه، لأن الغرابة والانفراد علامة توجب مزيد التثبت.!

فإذا ما حصحص الحق وظهر وبان وحصل التثبت منه جدًا ووقف الإنسانُ على جليّته، فثمّتَ عزمَ الأمرُ، أمرُ العملِ، وهناك ينزل المدد من الله تعالى على عبده الضعيف الخاضع المستجيب لأمره، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الإمارة -وهي أمانة ومسؤولية-: (إنك إن أعطيتها عن غير مسألة أعِنتَ عليها، وإن أعطيتها عن مسألةٍ وُكِلتَ إليها) (1) .

(1) صحيح البخاري (6722، 7146، 7147) ، صحيح مسلم (1652) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت