الأحكام الشرعة العملية المستنبطة من أدلتها التفصيلية- وذلك لأنها عملية وسبيلها الاستدلال والاستنباط كما ذكرنا، وهي إما فتوى أو قضاء، وهي تدخل عند العلماء في «باب الردة» ، وهو باب من أبواب «علم الفقه» ، وهذا لا يعني أن لا تُذكر في أبحاث علم العقائد والتوحيد، فإن لها به تعلّقا وثيقًا لا يخفى، وهذا من تداخل العلوم والفنون، كما أن كل حكم شرعي عملي فله متعلق اعتقادي وهو اعتقاد ذلك الحكم، ولكن هي أخصّ بالفقه كما ذكرتُ، وسواء عددتها في مسائل هذا الفن أو ذلك، فهي من مسائل الاجتهاد.
النقطة السادسة: فمن يزعم أنها من مسائل العقيدة والتوحيد، ويريد بذلك أن يهوّل ويشنّع على المخالف فيها، ويبني على ذلك الولاء والبراء كما تقدمت الإشارةُ، أو يدعي الانفراد بتحقيق التوحيد، وينتقص مخالفيه فيها ويرميهم بالتهم العظيمة وما شابه ذلك؛ فإنه قد جانب الصواب واستحق اللوم، وله من اسم الانحراف والضلال بحسبه!!
بل الحق الحقيق بالقبول والصدع به أنها كما تقدم القولُ: من مسائل الفقه والاستنباط وتدخل في مسائل باب الردة في علم الفقه، ويتكلم فيها الفقيهُ، وأنها مسألة اجتهادية.
النقطة السابعة: بيان ذلك أن صورة المسألة هي كالآتي:
مسلم ثبتَ له عقدُ الإسلام عندنا، ثم ارتكب مكفِّرًا أي ناقضا من نواقض الإسلام، من قول أو عمل أو اعتقاد جاهلا؛ أي حال كونه يجهل أن هذا الفعل أو القول أو الاعتقاد محرمٌ ومنافٍ للتوحيد .. هذه هي صورة المسألة.
فهل نكفّره -نحكم عليه بأنه كافر- مباشرة بمجرد تلبّسه بذلك الناقض؟ أو نقول: لا نحكم بالكفر مباشرة؛ بل نُبقي حكمه على الأصل وهو الإسلام، حتى نعرف أن الحجة قد قامت عليه فخالفها؟ أو أن هناك تفصيلا في المسألة؟ وما هو هذا التفصيل؟
النقطة الثامنة: إذا تقرر هذا فاعلم أن العلماء قاطبة -إلا من شذّ- على أن المسائل الخفية التي لا تنافي التوحيد -عبادة الله وحده لا شريك له- منافاةً صريحة، والتي سبيل معرفتها السمع أي بلوغ الدليل السمعي وهو الدليل من الوحي؛ فإن هذه المسائل يُعذَرُ فيها الجاهل المخالف، حتى تقوم عليه الحجة، ثم إذا قامت عليه الحجة فخالفها نحكم عليه بما يقتضيه الدليل في تلك المخالفة، من تكفير أو تفسيق، والخلاف في ذلك شاذّ منبوذٌ، ولله الحمد ..
مثالها: الكثير من مسائل الأسماء والصفات، وما يتعلق بحقوق الأنبياء؛ ما يجب لهم أو ينفى عنهم ونحو ذلك، وما يتعلق بإثبات الأحكام الشرعية، وما يتعلق بالغيوب كأحوال اليوم الآخر والجنة