فهرس الكتاب

الصفحة 577 من 1908

وجود عسكري مستقل في لبنان قد صُدَّت من قِبَلِ الأسد نفسه، لكن الموقف السوري بعد الغزو الإسرائيلي ربما أضحى أقل مقاومة لعروض المساعدة الإيرانية من ذي قبل.

من وجهة نظر إيران فإن وجودها الجديد في لبنان أنتج نقطة التَّماسِّ المباشر الأول بين النظام الثوري وطائفة شيعية كبرى في العالم العربي، ومنذ ذلك الحين غدت إيران لاعبًا قياديًا في شؤون هذه الطائفة التي تمثِّل قاعدة ممكنة لمدّ نفوذها إلى قلب الصراع العربي الإسرائيلي.

في ذلك الوقت بدأ تقاطع المصالح والتوجهات بين سورية وإيران بالاتساع؛ ففي حملتها لإخراج الإسرائيليين من لبنان كانت الدوافع المباشرة لسورية دوافع استراتيجية؛ فالوجود العسكري الإسرائيلي في النصف الجنوبي من لبنان -وعلى الأخص في وادي البقاع- قد وضع العمق السوري تحت تهديد مزدوج؛ فلأول مرة كانت دمشق معرضة لخطر مزدوج محتمل من الجولان والمواقع الإسرائيلية الأمامية في لبنان، إضافة إلى ذلك؛ فقد كان هناك التهديد الجيوسياسي النابع من وجود نظام موالٍ لـ «إسرائيل» وموال للغرب في لبنان.

إن القلق السوري حول إمكانية العزلة الإقليمية ومخاطر الصفقات الثنائية العربية الإسرائيلية المستقلة كان آنذاك المحدد الأساس لسياستها الخارجية؛ فوجود لبنان في الفلك الإسرائيلي الأمريكي سوف يزيد من ترجيح كفة التوازن الإقليمي المائل أصلًا بشكل غير مرغوب فيه عن طريق إكمال التهديدات العراقية والإسرائيلية بتطويق محتمل من الغرب.

كما أن ارتداد لبنان سوف يضيف ثقله إلى خسارة مصر، ومع الأخذ بعين الاعتبار الموقف المشكوك فيه للأردن، وفي ظل هذه الظروف فإن رغبة سورية في تقوية روابطها مع إيران ليست مفاجئة. استطاعت سورية الاعتماد على إيران لتأمين المساعدة المادية على شكل معونة اقتصادية، وقوة بشرية على شكل جماهير محلية مهيأة، وتحريض يمثل وجهة نظر «راديكالية» معادية لـ «إسرائيل» وللغرب، ومصدر جديد للضغط والتهديد المحتمل لإلهاء كل خصوم سورية الإقليميين والدوليين تقريبًا، مع الحفاظ في الوقت ذاته على مسافة مادية وتاريخية كافية لتفادي أن تصبح قوية أكثر مما يجب أو مستقلة أكثر مما يجب على الحلبة الداخلية لسورية.

وبين أغسطس 1988، وأغسطس 1990م كان هناك عدد من التطورات التي أثرت على العلاقة السورية - الإيرانية؛ فمع انتهاء الحرب الإيرانية - العراقية بدت قوة العراق بشكل ملحوظ في وجه كل من سورية وإيران؛ فالعراق لم ينجح فقط في فرض نهاية مذلة للحرب، بل كان في موقع جيد جدًا لجني أفضل فائدة من التأييد الدولي والعربي الواسع للقيام بدور القوة العربية الكبرى المتربعة على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت