فهرس الكتاب

الصفحة 606 من 1908

والقنوط، ولا حتى الإحباط والكسل، نعوذ بالله من ذلك كله.

الحزن الذي هو فعل القلب عند رؤية وملاحظة هذه الأشياء، هذا إما أنه خارج عن التكليف أصلا، كقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا) (1) ، فهذا لا يؤاخَذ به العبد.

أو هو مما كُلف العبدُ بمجاهدته ما أمكن، ويُنهى عن الإفراط فيه، ويؤمر بالتسلّي بملاحظة قدر الله - سبحانه وتعالى - السابق النافذ، وتذكّر الأمثال.

والشيء الأهم الذي هو مناط التكليف (الشيء الذي كُلف به العبد) هو ألا يكون هذا الحزن مانعًا له من عمل الخير، ومقعِدًا له عن الجهاد في سبيل الله بمعناه الخاص والعامّ.

وهذا كله من معنى نهي الله - عز وجل - رسولَه محمدا -صلى الله عليه وسلم- عن الحزن في آيات كثيرة مثل: {وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) } [النحل] وقوله: {فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (68) } [المائدة] وقوله: {فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} [فاطر: 8] ، وقوله: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6) } [الكهف] وقول الله - سبحانه وتعالى - للمؤمنين: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) } [آل عمران] .

فهو نهي عن الحزن المقعد المفسد على الإنسان عمله ودينه، المهلِك له .. وإن شئت فقل هو نهي عن الشيء بالنظر إلى لازمه الذي جرت به العادة؛ لأن عادة بني آدم هي أن الحزن يقعدهم ويفسد عليهم عملهم وهممهم وعزائمهم، وربما لو أفرط فيه أهلكه، ولهذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- مما يكثر أن يستعيذ منه: «الحزن» (2) ، نعوذ بالله من الحزن.

قال ابن عاشور - رحمه الله: «والنهي عن الحزن نهي عن سببه، وهو اشتغال بالِ الرسول بإعراضهم عن قبول الدين الحق، وهو يستلزم الأمر بالأسباب الصارفة للحزن عن نفسه من التسلّي بعناية الله - سبحانه وتعالى - وعقابه من ناوأوه وعادوه» (3) اهـ.

وقال الشنقيطي - رحمه الله - عند قوله - سبحانه وتعالى: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ (33) } [الأنعام] في «سورة الأنعام» :

(1) صحيح البخاري (1303) بلفظ: (إن العين تدمع، والقلب يحزن .. ) ، صحيح مسلم (2315) بلفظ: (تدمع العين، ويحزن القلب .. ) الحديث.

(2) صحيح البخاري (2893، 5425، 6363، 6369) بلفظ: (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن .. ) الحديث.

(3) التحرير والتنوير (23/ 72) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت