«صرح - سبحانه وتعالى - في هذه الآية الكريمة بأنه يعلم أن رسوله -صلى الله عليه وسلم- يحزنه ما يقوله الكفار من تكذيبه (، وقد نهاه - سبحانه وتعالى - عن هذا الحزن المفرط في مواضع أخر .. » (1) اهـ.
فيبقى السؤال: حسنًا، لن نتوقف عن العمل والبذل والمجاهدة، ولن نجعل الحزن يُقعدنا، ويُفسد علينا عزيمتنا وإرادتنا، ولكن ما هو العمل المطلوب منا؟ فالجواب هو على الإجمال في قول الله - سبحانه وتعالى: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) } [الحج] ، {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195) } [البقرة] ، {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128) } [النحل] {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (93) } [المائدة] ، {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (91) } [التوبة] ، {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الحج] الآية، وغيرها من الآيات وما في معناها من الأحاديث النبوية، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (المؤمن القوي خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خيرٌ، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز) (2) الحديث ..
ودفع القدر بالقدر، كما قال سيدنا عمر - رضي الله عنه - كما في قصة طاعون الشام: «نفرُّ من قدر الله إلى قدر الله» (3) ؛ فأولا لا بد من دفع أقدار الفُرقة والتنازع والاختلاف بأضدادها، وهي المحاولات والسعي الجاد والمستمر الدائم إلى إيجاد الاتحاد والاجتماع والائتلاف والولاء الإيماني والتعاصم والتعاون والتحابب والتوادد والتعاطف، (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائرُ الجسد بالسهر والحمّى) (4) ، (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا) (5) ، {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (4) } [الصف] ، {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103] ، {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 46] .
ومن ضمن ذلك، أعني دفع القدر بالقدر في هذا الباب، التنازل من بعض المسلمين لبعض، والذلة للمؤمنين، وتقديم الاجتماع ولو على المفضول على الفُرقة في طلب الاجتماع على الفاضل، قال الله - سبحانه وتعالى - في وصف الذين يحبهم ويحبونه: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} [المائدة: 54] الآية.
(1) أضواء البيان (1/ 476) .
(2) صحيح مسلم (2664) .
(3) صحيح البخاري (5729) .
(4) صحيح مسلم (2586) .
(5) صحيح البخاري (481، 2446، 6026) ، صحيح مسلم (2585) .