ومنه السعي للإصلاح بين المؤمنين متى ما وجد خلاف؛ فإن الإصلاح بين المؤمنين واجب كفائي وعمل صالح من خيار الأعمال الصالحة، قال الله - سبحانه وتعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1) } [الأنفال] ، وقال: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (114) } [النساء] ، وقال: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} [النساء: 128] .
وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح الذي في الترمذي وأبي داود وغيرهما: (ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة؟) قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (إصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين) (1) .
وغير ذلك الكثير من الفقه الذي يجب أن ننشره بين المسلمين ويتفقه عليه شباب الإسلام؛ فعليك يا أخي المسلم أن تنظر وتبحث: ما هو الخير وأين هو وماذا يحب الله منا وبمَ يأمرُ ربنا - عز وجل - في هذه الحال وهذا الوقت .. وافعله.
كيف تعرف ذلك؟ بالعلم النافع، والفقه في الدين، وكلُّ إنسانٍ بحسبه وبحسب درجته في العلم والتكليف، إن كان عالمًا فتكليفه الاجتهاد في معرفة الحق وفي إصابة الصواب والعمل به ودعوة الناس إليه، وإن كان عاميا فتكليفه هو أن يجتهد في البحث عن الحق والصواب بحسبه، وأرجح ضابط لذلك عند العلماء هو: أن يسأل أوثق من يعرف من العلماء دينا وعلمًا، ويأخذ بقولهم، وله أن يسأل أكثر من واحدٍ عند الاشتباه والشك والتردد، ويجتهد في معرفة أهل الحق فيتبعهم، فإذا فعل ذلك فقد أحسن وأدى الذي عليه، أصاب أو أخطأ، وهو حينئذ كالعالِم؛ دائرٌ بين الأجر والأجرين.
وهناك مرتبة متوسطة بين مرتبة العالم المجتهد المستقل بالنظر والاستدلال، وبين مرتبة العاميّ الخالص، وهي مرتبة طالب العلم الذي لم يصل إلى درجة المجتهد المستقل استقلالا كاملا بالنظر والاستدلال، ولكنه ليس كالعاميّ، بل له قدرةٌ متوسطة على النظر تقترب من درجة العالم المجتهد أحيانا، وتقل أحيانا، ويستطيع الترجيح في كثير من المسائل، وهذه المرتبة هي التي يسميها مَن أثبتها من أهل العلم بمرتبة المتّبع، فهذا تكليفه أن يجتهد في تحري الصواب بحسب قدرته على النظر والاستدلال والترجيح كذلك، فإن عجزَ، رجعَ كالعاميّ المذكور في الدرجة السابقة.
هذا ضبط المسألة من حيث الأصول، وأما التفاصيل، فلا يمكن الخوض فيها، لأن كل حالة لها
(1) سنن الترمذي (2509) وقال: «حديث حسن صحيح» ، سنن أبي داود (4919) وصححه الألباني.