فهرس الكتاب

الصفحة 674 من 1908

بل لو قال قائل إن الإجماع محكيّ على خلافه لكان أقربَ، مع أننا لم نجرؤ على حكاية إجماع في المسألة.! فقد حكى الإمامُ «ابن حزم الظاهريُّ» (المتوفى سنة 456هـ) وهو من أوائل من تكلم في هذه المسألة بتفصيل وتحرير في كتابه «الفِصَل» بعد أن بسط الكلام في المسألة وساق جملة من الأدلة: «قال أبو محمد: وبرهان ضروري لا خلاف فيه وهو أن الأمة مجمعة كلها بلا خلاف من أحد منهم، وهو أن كل من بدَّل آية من القرآن عامدًا وهو يدري أنها في المصاحف بخلاف ذلك، وأسقط كلمة عمدًا كذلك، أو زاد فيها كلمة عامدًا، فإنه كافر بإجماع الأمة كلها، ثم أن المرء يخطئ في التلاوة فيزيد كلمة وينقص أخرى ويبدل كلامه جاهلًا مقدرًا أنه مصيب، ويكابر في ذلك ويناظر قبل أن يتبين له الحق، ولا يكون بذلك عند أحد من الأمة كافرًا ولا فاسقًا ولا آثمًا، فإذا وقف على المصاحف أو أخبره بذلك من القراء من تقوم الحجة بخبره فإن تمادى على خطئه فهو عند الأمة كلها كافر بذلك لا محالة، وهذا هو الحكم الجاري في جميع الديانة» (1) اهـ.

وللفائدة: فإن «المخلف» وأفراخه سيجيبون بأن هذا في غير الشرك، ويذكرون ما أشرنا إليه من أصلهم الفاسد في التفريق بين الكفر والشرك، وأن الشرك لا يُعذَر فيه بالجهل بخلاف الكفر، وهذا جواب فاسدٌ، لأن «أبا محمد ابن حزم» - رحمه الله - لم يفرق بين الكفر والشرك، وعنده أن الجميع بابٌ واحد هنا، ولو كان يفرق لذكر الفرق، بل آخر عبارته صريحٌ في العموم وعدم الفرق فإنه قال: «وهذا هو الحكم الجاري في جميع الديانة» .. فتبيّن أن عبارة «ابن حزم» هذه قاصمة لظهر المخالفة (المخلف وأتباعه) فإنها كالصريحة في حكاية الإجماع، وهو من أقدم ما يمكن أن يُوجَد من كلام العلماء في المسألة بشكل دقيق مفصل محرر، ولأنه لم يفرق بين الكفر والشرك كما يدعي المخلف، بل صريحُ كلامه عدم التفريق، بل إنه عقد فصلًا في نفس كتابه «الفِصَل» لإثبات أن الكفر والشرك شيءٌ واحدٌ في الدين أي في المعنى الشرعيّ، وردّ على المفرّق بينهما (2) ؛ ففيها ردّ لدعوى المخلف الإجماع على التفريق.!

وإن شاء الله سنعود إلى شرح هذا المقام والتعليق على عبارة «ابن حزم» هذه في فرصة أخرى إذا يسر الله - سبحانه وتعالى - بمنه وفضله، أعلق فيها على بعض كلام هذا «المخلف» وأنسف أصوله المنحرفة، وأبيّن زيف استدلالاته وعظيمَ تنطعاته وتزويرَه، وبالله وحده التوفيق.

(1) الفِصل في الملل والأهواء والنِّحَل (3/ 141) .

(2) الفِصل في الملل والأهواء والنِّحَل (3/ 124) قال: «فصحَّ أنَّ الشّرك وَالْكفْر اسمان لِمَعْنى وَاحِد» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت