وقيل:
لو كل كلبٍ عوى ألقمته حجرًا ... لأصبحَ الصخرُ مثقالا بدينارِ (1)
وهذا فقه معروف يعرفه أهله: {وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} [المائدة: 41] ، والنبي -صلى الله عليه وسلم- قد قال له ربُّه: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (45) } [ق] .
الثامن: لا بد أن يعلم الإخوة الطيبون المريدون للحق والراجون لرحمة الله - سبحانه وتعالى - والمبتغون لمرضاته أن العلمَ يؤخَد عن أهله ومَن عُرفوا به وحصلت لهم التزكية فيه، وعُرفوا بالاستقامة والسداد في الجملة، وصلاح الحال والعدالة والثقة، والبُعد عن الشطط والإفراط والتفريط، والبُعد عن الولوع بالإغراب والتفرّد والشذوذ.
فكيف يسمح مسلمٌ -بل إنسانٌ عاقلٌ أصلًا- لنفسه أن يأخذ دقيق المسائل التي لا يفهمها جيدا، وإنما هو فيها مقلد محضٌ، أو كالمقلد المحض، من شخصٍ لا يعرف مرتبته في العلم ولا تزكية أهل العلم والصلاح والخيرية في الدين له، ولم يبلُه في جهادٍ وعمل صالحٍ، ولا عاشره ولا عرفه بحيث تحصل له الثقة الكاملة في دينه وتقواه وورعه، والحالُ أنه قد خالف سائر العلماء وأهل الخير والصلاح والزعامة والإمامة في المسلمين، وتفرّد وشذ وشطّ .. ! فأدنى ما يوجِبُ ذلك للعاقل أن يتريّث ولا يتسرع في قبول ما يقوله مثل هذا (كالمخلف ونحوه) ولا يتبنى قولا قد ظهرت عليه علامات الشذوذ والغرابة .. !
ولهذا كثر تحذيرُ السلف - رضي الله عنهم - من غرائب العلم والمسائل، ودلت دلائل الشرع على فضل الكون مع «الجماعة» ومع «السواد الأعظم» مهما أمكن، أي في غير المحل الذي اتضح فيه الحقُ للإنسان اتضاحًا بتًّا؛ فإنه حينئذ يتبع ما تبيّن له من الحق بدليله وبرهانه، وإن خالف الناسَ كلهم وخالفوه، وحينئذ فإن الحق هو الجماعة ولو كنت وحدك كما قال ابن مسعود - رضي الله عنه -.
ولهذا أيضا فإن الصحيح عند جماعة من أهل العلم أن «رأي الجمهور» وهم أكثر أهل العلم من المرجّحات عند تكافئ الأدلة لدى الناظر، والغرابة علامة و «مؤشر» كما نقول في لغة اليوم، على فساد القول وعدم صحته، وهي توجب التريّث والتثبت ومزيد الحزم في النظر والبحث، وترك العجلة، ولا سيما إذا جاءت من مغمور جاهل متشبع بما لم يعط.
(1) قاله: يوسف بن علي الفارسكوري الشافعي البلان، كما في: الضوء اللامع لأهل القرن التاسع (10/ 325) .