ولهذا فكيف يصح للإنسان العاقل المريد للنجاة والفلاح أن يأخذ دينه من «المخلف» مِن على «الانترنت» و «البالتوك» وهو لا يعرفه المعرفة التي ذكرنا صورتها، وهو يرى فيه كل هذا الشذوذ والإغراب، ويرى عنده هذا الكم الهائل من التفرّد، فكيف إذا انضاف إلى ذلك علامات أخرى على سوء خلقه وفساد نفسه؟! وكيف يسمح الإنسانُ العاقلُ لنفسه أن يغترّ بفصاحة متحدث أو ما يبدو من قوة في استدلالاته بالقرآن والأحاديث وكلام العلماء، وهو لا يُحسِن فهم تلك الاستدلالات ولا تحقيقها، ولا يعرف ما وراء ألفاظها الحسنة وظواهرها الجذابة، ولو جاءه رجلٌ آخر أفصح منه وأقوى مجادلة لقلبَ عليه دينه ولاتَّبعه، كما قال الإمام مالكٌ - رحمه الله: «كلما جاءنا رجلٌ أجدل من رجل نترك ما نزل به جبريلُ على محمد -صلى الله عليه وسلم- لجدله؟!» (1) ، وهكذا يجعل دينه عرضة للمتفاصحين والمتفيهقين الذين حذرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من خطرهم وذمهم لنا.
كيف يسمح الإنسانُ العاقل لنفسه بهذا وهو يرى ما أشرنا إليه من الإغراب والتفرد والشذوذ والقسوة والشطط والمناقضة للبديهيات .. ؟! هذا والله عجيبٌ، ومَن هلك فلا يلومنّ إلا نفسه.! نسأل الله العافية والسلامة لنا ولجميع المسلمين.
قال ابن الوزير - رحمه الله - في «إيثار الحق على الخلق» :
وإن مقاما حار فيه كليمه ... ولم يستطع صبرا لخير العوالم
جديرٌ بتحقيق عظيم وريبة ... من الوهم عند الجزم من كل عالم (2)
وفي البيت الثاني تنبيه للمتكلمين وغيرهم على ما لم يزل الأكابر يقعون فيه من دعوى القطع واعتقاده من غير تحقيق؛ فإن «موسى» - عليه الصلاة والسلام - لولا اعتقاد القطع بخطئِ «الخضر» ما أنكر عليه، وكذلك قطع كثير من علماء الكلام على صحة أدلتهم الموجبة لتأويل كلام علام الغيوب، بل هم دون «الكليم» المقرب الوجيه المعصوم بمسافات لا تدركها الخواطر، ونسبة علم الله - سبحانه وتعالى - إلى علم جميع العالمين كما جاء في الصحيح مثل ما أخذه الطائر من البحر الزاخر اهـ.
ومن التزم ما ذكرناه من ضوابط وتوصيات نافعة، مع سائر أسباب الهداية، ثم استعان بالله - سبحانه وتعالى - وصدق في الطلب والدعاء وألحّ على الكريم المنان، فإن الله - سبحانه وتعالى - يفتح عليه ويهديه لا محالة.! ولا حول ولا قوة إلا بالله.
(1) ينظر: الإبانة لابن بطة (582) ، وصحح أبو عبد الله الداني إسنادها إليه في: سلسلة الآثار الصحيحة (306) .
(2) إيثار الحق (ص 138، 203) .