وليسلك سُبُل الهداية وليُدِم قرع باب الفتاح العليم، والله يفتح عليه.
في «سنن أبي داود» وغيره عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه: «وأحذركم زيغة الحكيم؛ فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق» ، قال (1) : قلت لمعاذ: ما يدريني رحمك الله أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة وأن المنافق قد يقول كلمة الحق؟ قال: «بلى، اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات التي يقال لها ما هذه، ولا يثنينك ذلك عنه، فإنه لعله أن يراجع، وتلقَّ الحق إذا سمعته فإن على الحق نورا» (2) اهـ.
واستحضر ما أشرنا إليه فيما سبق من تحذير السلف من الغرائب، وهي التي سماها معاذٌ هنا «المشتهرات» وجاء في بعض روايات هذا الأثر «المشتبهات» ، وفي لفظ: «ما تشابه عليكم من قول الحكيم، حتى تقول ما أراد بهذه الكلمة» كذا في «جامع الأصول» (3) .
وليحذر طالبُ الحق من تعظيم العظماء فوق تعظيم الحق، بسبب غلبة محبة الأشياخ والطوائفِ ونحوهم؛ فإنها مزلة خطرة وسبب من أسباب الهلاك، قال ابن الجوزي - رحمه الله - في صيد الخاطر: «والمقصود أن تعلم أن الشرع تام كامل، فإن رزقت فهمًا له فأنت تتبع الرسول -صلى الله عليه وسلم-وأصحابه، وتترك بنيات الطريق، ولا تقلد في دينك الرجال، فإن فعلت فإنك لا تحتاج إلى وصية أخرى، واحذر جمود النقلة، وانبساط المتكلمين، وجموع المتزهدين، وشرهَ أهل الهوى، ووقوفَ العلماء على صورة العلم من غير عمل، وعمل المتعبدين بغير علم. ومن أيده الله - سبحانه وتعالى - بلطفه رزقه الفهم وأخرجه عن ربقة التقليد، وجعله أمة وحده في زمانه، لا يبالي بمن عبث ولا يلتفت إلى من لامَ، قد سلم زمامه إلى دليل واضح السبيل، عصمنا الله وإياكم من تقليد المعظمين، وألهمنا اتباع الرسول -صلى الله عليه وسلم-» (4) اهـ.
واعلم أن هذا من جملة ما يبتلي الله - عز وجل - به الناسَ، أعني زلات العلماء، لينظر اللهُ - عز وجل - مَن يُطيعه ويُخلِصُ له ويصدُق في طلب الحق ويتحرى ويجتهد وسعَه في إصابته، ومَن لا يرفع بطلب الحق والفضل رأسًا، وهذا فيه من الحكم الجليلة بالإضافة إلى حكمة ابتلاء المكلفين: تمييزُ درجاتهم، والإعذار إليهم في سبق مَن يسبِق وقعود مَن يقعُد، وعند الصباح يحمَد القومُ السرى، ولله المحامد كلها .. ثم اعلم أن العالِم المجتهد في إرادة الخير وطلب الحق؛ فإن خطأه مغفورٌ وهو مأجورٌ أجرًا
(1) القائل هو يزيد بن عميرة من أصحاب معاذ. [المؤلف]
(2) سنن أبي داود (4611) قال الألباني: صحيح الإسناد موقوفٌ.
(3) سنن أبي داود (4611) ، جامع الأصول (7508) .
(4) صيد الخاطر (ص 136) .