فهرس الكتاب

الصفحة 686 من 1908

للدفاع عن المسلمين قبل الدار، وإنما الدار هي تبع للمسلمين، والأرض لا تقدس أحدا، ولا حكم لها في ذاتها من هذا الوجه، إنما الحكم لأهلها وبأهلها وبما يعلوها من أحكام أهلها، فجهاد الدفع إذن مشروع للدفاع عن المسلمين قبل أرض المسلمين، وهو جهاد دفع الصائل على الدين والعرض والأرض والمال؛ فلا تأثير لكون الدار صارت دارَ كفر وحرب، أو هي باقية دارَ إسلام.

وهب أننا اخترنا أحد الأقوال الأخرى في مسألة الدار، كقول بعض الفقهاء مثلا: إن دار الإسلام لا تنقلب دارَ كفر بحالٍ، أو قول أبي حنيفة إنها لا تنقلبُ دارَ كفر إلا بشروطٍ ثلاثة ذكروها، فقد انقطعت حجتكم حينها، وضلّ سعيكم، ونرجع إلى مناقشة مسألة الدار، ولن تستطيعوا حسمها بشكل قاطع، لأنها مسألة خلافية اجتهادية معروفة وكل قول من الأقوال فيها قد قال به أئمة كبار من علماء المسلمين.

والمقصود: أن جهاد الدفع ليس معناه الدفاع عن دار الإسلام فحسب، بل هذا غايته أن يُقال: إنه أحدُ معانيه وأحد مقاصده، وليس هو كل معناه ولا كل مقصده؛ فجهاد الدفع هو قتال الكفار الصائلين المعتدين على الدين أولا ثم على باقي الحرمة من نفس ومال وعرض وأرضٍ ... ! فهذا دفع الصائل الذي قال فيه شيخ الإسلام: «وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين فواجب إجماعا، فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه فلا يشترط له شرط بل يدفع بحسب الإمكان، وقد نص على ذلك العلماء، أصحابنا وغيرهم، فيجب التفريق بين دفع الصائل الظالم الكافر وبين طلبه في بلاده» (1) اهـ.

الثالث: أن يقال ما هي الحدود الجغرافية للدار التي هي دار كفرٍ والدار التي هي دارُ إسلام في الواقع اليوم، فأنت ترى اليوم كثيرا من الدور مختلطة، فمنطقة «وزيرستان» مثلا ما هي؟ إن اعتبرتَ الخريطة السياسية بحسب الأوضاع القانونية البشرية للدول اليوم، فهي جزء من أرض دولة الباكستان، وهذا لا اعتبار له في الحكم بمجرده، وإنما الاعتبار بحقيقة ما يعلوها من أحكامٍ وظهور الأحكام عليها بالقوة والسلطان، وأهلُها مظهرون للدين يحكمون بشرع الله بعزتهم واختيارهم في عدة مناطقَ منها والحمد لله، ولا يقال: إنهم يحكمون بالشرع بإذن الكافر لأن دولة الباكستان هناك غير كاملة التسلط إنما هي كالمكتفي بتبعية الإقليم الاسمية لها، ولا تقدر على إنفاذ أو منع كثير مما تريد، والمسلمون -حيث يحكمون بالشريعة هناك- يحكمون بها استقلالا وهي لا تستطيع منعهم،

(1) الفتاوى الكبرى (5/ 538) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت