وإنما هي تستضعفهم وتستتبعهم من أبوابٍ أخرى سياسية واقتصادية، وهو وضعٌ سياسي واجتماعيّ خاص له ظروفه .. وإن اعتبرتَ استقلال الإقليم وأهله القبائل نوعَ استقلال، وحكمهم فيما بينهم بحكم الشرع وإقامتهم لأكثر شعائر وشرائع الإسلام أي ما قدروا عليه منها، ورفعهم راية الجهاد، وعدم اعترافهم بالدولة الباكستانية المرتدة كما أشرنا، ولكنهم أيضا لم يصلوا إلى الاستقلال التام لضعفهم، فما زالوا ساكتين عن إعلان الاستقلال عن الدولة الباكستانية والسعي في ذلك عسكريا بشكل صريح، لاعتبارات القوة والضعف والقدرة والمصالح والمفاسد، فقد يظهر أن هذه المناطق دار إسلامٍ بحسب تقسيم الفقهاء.
وهكذا أجزاء كبيرة من بلاد «أفغانستان» ، حيث يتمكن المجاهدون ويَدُهُم هي العليا، ويقارعون أعداء الله وهم معه في كر وفرّ، لكنه غيرُ مسيطر عليهم، ولا هم أيضا استطاعوا دفعه بالكلية، ومن أظهر أمثلتها «هلمند» ؛ فإن المجاهدين يسيطرون عليها سيطرة شبه كاملة، وفيها محاكم شرعية، وعوامُّ الناس يتحاكمون إليها والحمد لله، ومع ذلك فهم مع حكومة «كرزاي» والصليبيين فيها في كرّ وفرّ، وهكذا الأمرُ في «دولة العراق الإسلامية» في بلاد العراق، وهكذا مناطق من أرض الشيشان، والصومال وغيرها كثير.
فيُقال للسائل المعترض: فهذه مناطق لا يبعُد أن تسمّى دارَ إسلام، بل هذا هو الظاهر القويّ، قال السادة الشافعية: «وإن قدر على الامتناع في دار الحرب والاعتزال وجب عليه المقامُ بها، لأن موضعه دارُ إسلام، فلو هاجر لصار دارَ حرب فيحرم ذلك، ثم إن قدر على قتال الكفار ودعائهم إلى الإسلام لزمه وإلا فلا» اهـ؛ هذا كلام النووي في «روضة الطالبين» ناقلا عن «الماوردي» مقرًّا له (1) ، وكذا عند غيره من شراح كتب المذهب، رحم الله الجميع.
وظاهرٌ على مذهب بعض الفقهاء أنها دورُ إسلامٍ، كمن قال: لا تعود دارُ الإسلام دارَ كفرٍ ألبته، وكمن وضع لصيرورتها دارَ كفر شروطًا ليست متوافرة الآن في هذه البلدان، أو كما قال «الدسوقي» في حاشيته على شرح الدردير لـ «مختصر خليل» المالكيّ: «لأن بلاد الإسلام لا تصير دارَ حربٍ بأخذ الكفار لها بالقهر ما دامت شعائرُ الإسلام قائمة فيها» (2) اهـ.
ولسنا الآن في مبحث أحكام الدور والترجيح بين الأقوال فيها، ولكن بكل حالٍ: ليس لك أيها
(1) روضة الطالبين وعمدة المفتين (10/ 282) .
(2) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير (2/ 188) .