المعترضُ سبيلٌ قاطعٌ إلى تسميتها دارَ كفرٍ .. ! وإذا أثبتّ قسمًا وسطًا بين الدارين وهي الدار المختلطة، كما هي طريقة شيخ الإسلام ابن تيمية «فتواه في ماردين» (1) ، فيمكن جعلها من هذا القسم أيضا .. فإذا قلنا إنها دورُ إسلام أو قلنا إنها دورٌ مختلطة بطل اعتراضُك.
وبالجملة .. كيف يصحّ من مسلمٍ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يمنع من الجهاد في سبيل الله - سبحانه وتعالى - الذي هو من أعظم الواجبات المتأكدات المتقررات بقواطع الشرع، من أجل مسألة ظنية بل متوهَّمة؟! وهل هذا إلا من الضلال المبين والمجازفة بل اللعب بالدين، ودليلٌ على الخذلان من رب العالمين .. ؟! أوليس هذا حقيقا بأن يدخل في نحو قول الإمام ابن حزم - رحمه الله: «ولا إثمَ بعد الكفر أعظمُ من إثم من نهى عن جهاد الكفار وأمرَ بإسلام حريم المسلمين إليهم من أجل فسق رجلٍ مسلم لا يحاسب غيره بفسقه» (2) اهـ، فإن هذا نهى عن جهاد الكفار وأمرَ بإسلام حريم المسلمين إليهم (يعني أنه لازمُ قوله، وإن لم يصرح به) من أجل توهّم أن جهادَ الدفع يُشتَرَط له وجود دار إسلام أي دولة إسلام ممكنة ينطلق منها الجهاد ويمكن الدفاعُ عنها وعن أهلها، ومن أجل توهّم أنه لا توجَد أي بقعة اليوم في الأرض تسمّى دارَ إسلام ... ؟!! وكلُّ هذا على التنزّل وإلا فلا تلازم بين حكم الدار وحكم جهاد الدفع، والقولُ بأن شرط جهاد الدفع وجودُ دارٍ للإسلام (بمعناها الاصطلاحيّ) شرطٌ باطلٌ لا دليل عليه من كتابٍ ولا سنةٍ ولا إجماعٍ ولا قياسٍ صحيح .. !
وهؤلاء المارقون الذين يتبجّحون باستمساكهم بالكتاب والسنة في كل صغيرة وكبيرة، ويدعون وقوفهم عند معانيهما، نقول لهم: هذا شرط اشترطتموه من عند أنفسكم، وأوجبته عقولكم المريضة الفاسدة بالتباس الشبهات عليها، وإلا فأين وجدتم في كتابٍ أو سنة أو إجماع أو قياس أو قول صاحب أو عالم من العلماء مَن يقول بسقوط الجهاد في مثل هذه الحال لأنه لا يجب إلا دفاعًا عن دار الإسلام؟ مَن مِن العلماء فَهم هذا الفهمَ وذهب هذا المذهب؟ وهذا من أعظم الأدلة على أن هؤلاء المارقين لا يبالون بالشذوذ والتفرد في صغار المسائل وكبارها، وهو مما يبين للمنصف أنهم إنما يعتمدون في فهم كلام العلماء على مجرد نظرهم وما يقع عليه خاطرُهم ويوافق أهواءهم من غير بحث ولا تدقيق ولا جريٍ على سبيل أهل العلم ولا تأمل فيما كتبه العلماء مما يكشف حقيقة الأمر ويقيد مطلقه ويخصص عامه.!
(1) مجموع الفتاوى (28/ 240) .
(2) المحلى بالآثار (5/ 352) .