الأصح من أقوال أهل العلم- إلى دار كفر وحربٍ بمجرد سيطرة الكفار عليها وغلبة أحكامهم الكفرية عليها، يجب عليهم الجهاد، أو على الأقل هو مشروعٌ بإجماع العلماء، لا يخالف في ذلك أحدٌ من العلماء، كما أوضحناه، فإذا قاموا وجاهدوا فما هو هذا الجهاد إلا جهاد الدفع؟! بحسب التقسيم الفقهي الاصطلاحي، لأنه دفع لهذا الكافر الصائل على الدين والمال والعرض والأرض .. وإن شئت أن تسميه جهاد طلبٍ فافعل، لا يضرك .. !! ولكن لا ترتب عليه إلا أحكامه الخاصة بجهاد الدفع، وأعظمها أنه متعينٌ على أصحاب تلك الناحية بخلاف جهاد الطلب المعروف في اصطلاح الفقهاء، فهذه في النهاية مجرد اصطلاحات أيها الإنسان .. !! المهم أنه جهادٌ مشروع بل واجبٌ مع القدرة والمتخلف عنه بغير عذرٍ فاسقٌ مستحقٌ للعقوبة ساقط العدالة.
فتدبر هذا المثال لكي تدرك مدى اغترار القوم بالألفاظ والاصطلاحات، وبُعدهم عن التحقيق والعلم النافع .. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
واعلم أن حقيقة قولهم -كما يصرح به «المخلف» - أنه لا بد لمشروعية الجهاد من وجود دار للإسلام ينطلق منها الجهاد والمجاهدون .. هذا قولهم، يعني: أن شرط مشروعية الجهاد هو: وجود دولة إسلامية ممكنة منها ينطلق الجهاد .. وهذا كله من الباطل والكذب على الله ورسوله ودينه، لأنه لا دليل عليه ولا برهان، وما أنزل الله به من سلطان، ولم يقل به أحد من أهل العلم من أهل السنة على مدار تاريخ الإسلام فيما نعلم، وإنما هو نفس قول الرافضة أخزاهم الله إنه لا جهاد إلا بإمام ويعنون به الإمام المعصوم، حتى جاء «الخميني» الهالك ووضع لهم نظرية «ولاية الفقيه النائب عن الإمام الغائب» ؛ ليخرجهم من هذه الضائقة الفقهية التاريخية.!!
وصورة أخرى شبيهة بما ذكرناه تبين فساد هذا القول وضلاله: فلو فرض أن بلدًا للمسلمين كانت تحكم بالإسلام وتعلوها شرائعُهُ ويهيمن عليها سلطانه؛ فتوجه نحوها عدوٌ بقوته وجيشه يريدُ مداهمتها والغلبة على أهلها، فإن جهاد أهلها عند أول جزء من أرض الإسلام وطأته أقدام العدو يُعَدّ جهادَ دفعٍ، حتى على قول هذا المخلف المفتون، فإذا تغلب هذا العدو على البلدِ وبسط سلطانه، فمقتضى قول هذا المفتون وشيعته أن الحال قد انقلب فورًا وتبدل الحكمُ في طرفة عين وصار الجهادُ عند أول لحظة تسلط الكفارِ وغلبتهم على البلدِ ليس مشروعًا، لأنه لم يعد هناك دارُ إسلام يجب الدفاع عنها بعدما صارت القوة والسلطة في يد العدو الكافر المتغلب، فهل يذهب لهذا عاقل يدري ما يقول؟! أم هو نفثة شيطانية وشبهة إبليسية يراد منها إسقاط واجب الجهاد الذي بدأت معانيه وحقائقه تسري في أمة الإسلام.!! فليتدبّر العاقلُ ذلك، وبالله التوفيق.